جمال اسلامى
أهلا بمن أتانا بتحية وسلام ..
يريد الترحيب بأحلى الكلام ..
يريد أن نعلن له الانضمام ..
إلى كوكبة أعضاءنا الكرام ..


www.jamal-islami.ephpbb.com
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 رواية ستاخذك لعالم اخر و ستستحوذ على تفكيرك كله....

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4
كاتب الموضوعرسالة
فتاة مسلمة
******


عدد المساهمات : 337
تاريخ التسجيل : 08/02/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية ستاخذك لعالم اخر و ستستحوذ على تفكيرك كله....   الإثنين مايو 03, 2010 9:01 am

وفوق ما أنا فيه فوجئت بأن الجو كان مغطى بضباب كثيف جدا... لم أكن معه أستطيع رؤية شيء في الشارع...
استمر وليد بالقيادة بسرعة لا تتناسب والضباب الكثيف... كان ينعطف يمينا ويسارا فجأة كلما ظهر شيء في طريقنا ولولا لطف من الله لانتهى المطاف بنا إلى حادث فظيع...
عندما ابتعدنا عن قلب المدينة إلى الشارع البري قال لي:
"اتصلي بسامر"
فقلت:
"هاتفي بقي في المنزل"
فأشار إلى الحقيبة التي جلبها معه وقال:
"هاتفي هنا"
فتحت الحقيبة فوجدت فيها مجموعة من الأوراق...وجوازات سفر... وتذاكر رحلات جوية... ورزم من الأوراق المالية...
ووجدت كذلك الهاتف...
كان على الشاشة ثلاث اتصالات فائتة, كلها كانت من سامر.
اتصلت به وما إن رد حتى سحب وليد الهاتف مني وخاطب سامر قائلا:
"نحن في الطريق إليك... ابق مختبئا على مقربة من البوابة وسلاحك في يدك... سأتصل حين نصل"
ثم قال:
"لا أعرف فالضباب شديد ولا أستطيع أن أسرع أكثر من ذلك..."
وأنهى مكالمته ثم التفت إلي وسأل:
"هل أنت بخير؟؟"
كنت أحاول أن أسحب عباءتي العالقة تحت الباب دون جدوى, خفف وليد السرعة وقال:
"افتحي الباب"
وسحبتها أخيرا... ولففت وشاحي حول رأسي...
لم تكن الشمس قد أشرقت بعد... والطريق يخيم عليه الهدوء... ووصلنا إلى جزء وعر منه ارتجت السيارة أيما ارتجاج وهي تعبره...
كنت أحاول النظر إلى الخلف خشية أن تكون سيارات الشرطة في تعقبنا, لكن الرؤية كانت مستحيلة ولم أسمع أي صفّارة...
وصلنا بعد ذلك إلى المخبأ الذي كان سامر وعمي أبو حسام يحتميان فيه. أوقف وليد السيارة وتناول الهاتف واتصل بسامر وقال:
"السيارة أمام البوابة... تعال فورا"
ومن بين الضباب رأيت سامر وأبا حسام يظهران أمامنا...
سامر فتح الباب الخلفي وركب السيارة بسرعة... وأبو حسام أقبل نحو النافذة إلى جانب وليد وهو يهتف:
"انطلقوا على بركة الله"
وليد قال وهو يدوس على كابح السيارة:
"أشكرك يا عم... لن أنسى صنيعك هذا"
فأشار أبو حسام وهو يهتف:
"اذهبوا هيا... يحفظكم الله"
وانطلق وليد بالسيارة وأبو حسام أخذ يلوح لنا وهو يقول:
"انتبهوا لأنفسكم يا أولادي... اتصلوا وطمئنوني عليكم... في أمان الله"
وكما ظهر وسط الضباب, اختفى وسط الضباب


للرواية تتمة ترقبوها^^...........
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.aljamal-islami.com
فتاة مسلمة
******


عدد المساهمات : 337
تاريخ التسجيل : 08/02/2010

مُساهمةموضوع: رد: رواية ستاخذك لعالم اخر و ستستحوذ على تفكيرك كله....   الإثنين مايو 03, 2010 9:02 am

تتمة..

وليد التفت إلى سامر الجالس في الوراء وسأل:
"هل أنت بخير؟؟"
فرد سامر مندهشا:
"ماذا جرى لوجهك وليد؟؟"
فاستدار وليد إلى الأمام وركز النظر في الطريق...
عندها التفت أنا إلى سامر ونطقت:
"هاجمونا وضربوه حد الموت... العساكر الوحوش..."
ذهل سامر وحدق بي ثم بوليد بأوسع عينين...
فتابعت:
"ماذا كنا سنفعل لو أنهم قتلوه؟؟ ماذا كان سيحدث لي لو أنهم أطلقوا الرصاصة على رأسه كما كانوا يعزمون؟؟"
وسمعت صوت وليد يناديني زاجرا:
"رغد"
فالتفت إليه ورأيت في عينيه نظرة انزعاج... فقلت وأنا أمسك بطرف وشاحي في يدي وأقول:
"أيرضي أحد ما أنا فيه؟؟ ما الذي فعلته لأمر بكل هذا؟؟ إلى متى سأعيش هذا التشرد؟؟ أنا تعبت... تعبت"
وطأطأت رأسي ودفنته بين ثنايا الوشاح وجعلت أبكي بحرقة...
حل صمت طويل علينا... وانشغل كل منا بأفكاره الخاصة... إلى أن أحسست بسرعة السيارة تخف تدريجيا... ثم تتوقف.
نظرت إلى وليد فرأيته ملتفتا إلى سامر يخاطبه قائلا:
"تول القيادة... أنا مرهق"
ثم سمعت صوت الباب الخلفي ينفتح وينزل سامر... التفت وليد إلي وقال:
"اذهبي للخلف"
وخرجنا جميعا من السيارة لتبديل مقاعدنا. وقبل أن يركبا, منحاني فرصة لنزع حجاب الصلاة الأبيض وارتداء الوشاح والعباءة الأسودين... كنت ألقي بنظرة عليهما... وأرى وليد يقف محني الظهر... مستندا إلى السيارة... والتعب جلي عليه... أخذت أراقبه عبر زجاج النافذة دون أن ينتبه... وعندما ركب السيارة بادرت بسؤاله:
"هل أنت بخير وليد؟؟"
فأجاب وهو يسند رأسه إلى مسند السيارة:
"سأكون كذلك"
وسمعت سامر يقول:
"أنا آسف يا أخي"
فيرد وليد:
"لا عليك... انطلق بسرعة... يجب أن نصل في الموعد المحدد"
سار سامر بسرعة أبطأ من سرعة وليد... وعلل ذلك بعد اتضاح الرؤية أمامه... وبعد فترة بدأ الضباب ينقشع حتى زال تماما... قبل أن نصل على الحدود.
أظن أن وليد قد غفا لبعض الوقت من شدة إعيائه... وعندما اقتربنا من أول نقاط التفتيش عند الحدود سمعت سامر يخاطبه قائلا:
"وليد...وصلنا"
وكان صوت سامر مغلفا بالخوف والقلق... وليد تحرك من مقعده ثم أخذ يستخرج بعض الأوراق من جيوب سيارته فيما قلوبنا تخفق بشدة وأعيينا مفتوحة أوسعها متربصة بأي شخص يظهر في الصورة...
تناول وليد حقيبته اليدوية واستخرج الجوازات... وخاطب سامر بينما كان يوقف السيارة:
"أنا سأنزل لإتمام الإجراءات المطلوبة. وأنت ابق ملازما رغد. إياك والخروج لأي سبب. وإذا ما واجهت مشكلة لا قدر الله... فسأعطيك إشارة... وانطلق بالسيارة بأقصى سرعة ولا تأبه لشيء"
حملقنا في وليد بذعر ونحن نزدرد ريقنا متوجسين خيفة... قال سامر:
"ماذا؟؟"
فقال وليد:
"افعل ما قلته لك. إذا أحسست بالخطر فسأعطيك إشارة للهرب... وإن أعترضك أي شيء فاقتله... وأنا سأتكفل بالباقي"
ولم يترك لنا الموظف فرصة للاستيعاب, إذ به لوح بيده مشيرا إلينا... فنزل وليد من السيارة وقبل أن ينصرف قرب وجهه من النافذة وهو يقول:
"لا تنس ذلك"
وألقى علي نظرة... ثم انصرف إلى الموظف.
أخذت الوساوس تتلاقفني يمينا ويسارا... وأخذت أتضرع إلى الله من أعماق قلبي وبكل إلحاح... أن يسهل الأمر علينا ويخرجنا معا من دائرة الخطر سالمين...
رأيت سامر يمسك بشيء بين يديه وسرعان ما تبين لي أنه مسدس... فتفاقم الفزع في نفسي وكدت أخرّ مغشية من شدة الخوف...
مرة الدقائق التالية كالقرون... ونحن ننتظر عودة وليد وأعيننا محملقة عبر النوافذ في الاتجاه الذي سار فيه. وبعد هول الانتظار ظهر وليد أخيرا يتقدم نحونا يحفه اثنان من رجال الأمن, يرتدون زيا عسكريا. لدى رؤيتي لهم انفجر قلبي بقنبلة من النبضات الصارخة المدوية... كنت أشعر بها تصطدم بأسفل قدمي وربما تهز السيارة...
سامر بسرعة خبأ مسدسه تحت المقعد وتظاهر بأنه يستخرج أحد الأقراص المدمجة, وشغل المسجل... وأذكر أن القرص كان يبتهل ابتهالا خاشعا... كان وليد كثيرا ما يشغله أثناء مشاوير ذهابي وإيابي من الجامعة برفقة مرح.
وصل وليد ورجلا الأمن, وأشار أحدهما إلى سامر بأن يفتح حقيبة السيارة الخلفية... بينما طلب الآخر منه أن يفتح النافذة... وعندما فتحها ألقى بنظرة علينا ثم على جوازات السفر التي كانت في يده... وطلب من سامر أن يبرز بعض الوثائق الخاصة بالسيارة... ثم انصرف... وتبعه الرجل الآخر...
وليد اقترب من النافذة فتشبثت به أعيننا, قال:
"سأنهي الإجراءات وأعود... تسير الأمور بشكل جيد"
فجذبت نفسا عميقا... علّ ذلك يهدئ من سرعة خفقان قلبي ولو الشيء القليل...
وانصرف وليد, ثم عاد بعد قليل... وركب السيارة وقال:
"انطلق"
لم نصدق آذاننا لا أنا ولا سامر... لذا... بقينا متسمرين... ولم تتحرك السيارة... فنظر وليد إلى سامر وقال:
"هيا"
فسأل سامر:
"انتهى كل شيء؟؟"
فأجاب وليد:
"ليس بعد... لكننا تخطينا أول العقبات..."
وجملته الأخيرة أجهضت بذرة الطمأنينة التي ما كادت تنبت في قلبي... وتجاوزنا عقبتين أخريين, وخرجنا من حدود بلدنا... ودخلنا حدود البلدة المجاورة... وهناك طلب منا رجال الأمن الخروج من السيارة لتفتيشها...
تبادل وليد وسامر نظرة وإن خفيت عن رجال الأمن فهي لم تخف عني... سامر حاول أن يستخرج المسدس متظاهرا بأنه يعدل من وضعية مقعده... غير أن يده لم تطله... ربما فهم وليد حركة سامر... وكان رجال الأمن من حولنا... فأطل وليد عبر نافذته وقال:
"الفتاة لا تستطيع النهوض إذ أن رجلها مجبرة"
في محاولة للإفلات من التفتيش, غير أن أحد رجال الأمن قال:
"فليساعدها أحدكما على ذلك"
ولم يجد وليد بدا من أن يلتفت إلي ويقول:
"سأساعدك"
وكانت عيناه مضطربتين وقطرة من العرق سالت على جبينه نصف المخبأ تحت قبعته.
خرج وليد من السيارة وفتح الباب المجاور لي ومد يديه... وعندما خرجت من السيارة ووقفت على رجلي... راح يتلفت يمينا وشمالا بحثا عن مقعد... ووجدنا مقاعد حجرية على بضعة أمتار فقال:
"سأرفعك"
ثم التفت إلى سامر وقال:
"تعال معنا"
ولكن وليد وبعد أن سار بي خطوتين لا غير أحس بالتعب وهتف:
"أخي"
وسرعان ما رأيت ذراعيّ سامر تمتد وتحملني...
وصلنا إلى المقاعد فأجلسني سامر على أحدها وجلس وليد قربي مباشرة... وسمعناه يتنفس بقوة...
سامر سأل:
"أأنت على ما يرام؟؟"
فأومأ وليد بنعم وإن كان مظهره يثبت عكس ذلك... وأرسل أنظاره إلى رجال الأمن وهم يفتشون السيارة...
جلس سامر إلى الجانب الآخر مني وإذا بوليد يسأل:
"أهو معك؟؟"
فيجيب سامر:
"في السيارة"
فيرد وليد:
"تبا! أين تركته؟؟"
فيجيب سامر:
"تحت المقعد... لن يصعب عليهم العثور عليه"
فيقول وليد:
"أحمق... لماذا لم تخبئه جيدا أو حتى ترمي به من النافذة قبل وصولنا إلى هنا"
فيقول سامر:
"ألست من طلب مني إحضاره معي؟؟ لم يتسع المجال للتخلص منه"
فيعقب وليد:
"سيورطنا هذا المشؤوم... تبا.. من أين حصلت على مصيبة كهذه؟"
وما كاد ينهي جملته حتى رأينا رجال الأمن يكتشفون وجود سلاح مخبأ في قلب السيارة...
اشرأبت أعناقنا وجحظت أعيينا وجفت حلوقنا... ونحن نرى أحد رجال الأمن يقبل نحونا قابضا على السلاح بمنديل... كان ابنا عمي جالسين إلى جانبي ولما اقترب رجل الأمن وقفا واقتربا من بعضهما وسدا المرأى من أمامي... وسمعت صوت وليد يهمس:
"دعني أتصرف. لا تتفوه بشيء. لازم رغد"
ثم سمعت صوت رجل الأمن وقد صار على مقربة يسأل:
"لمن هذا الشيء؟؟"
مرت لحظة صامتة حسبت أنني فقدت السمع من طولها... ثم إذا بي أسمع:
"إنه... لي"
أتدرون صوت من كان؟؟
صوت وليد...
أو ربما... توهمت ذلك... إذ أنني مع هوسي بوليد... وفي حالتي هذه التي لا مثيل لها... أصبحت أتوهم كل شيء...
عاد صوت رجل الأمن يسأل:
"هل لديك تصريح رسمي بحمله وإدخاله إلى هنا؟؟"
"لم أجلب معي التصريح"
هذا صوت وليد... أنا واثقة من أنه صوت وليد.. لا يمكنني أن أخطئه... وليد قلبي!
"تعال معي لو سمحت"
قال ذلك رجل الأمن, ثم رأيت وليد يبتعد عني خطوة, ثم يلتفت إلى سامر ويقول:
"ابق مع رغد. إياك أن تبتعد عنها لأي سبب مهما كان"
فيرد سامر:
"وليد! ما الذي..."
ويقاطعه وليد قائلا:
"لازم الصمت. فقط ضع الفتاة نصب عينيك... أتفهمني؟"
ومال وليد بجسده قليلا لينظر إلي... ولم أستطع لحظتها حتى أن أتأوه... ورأيته يبتعد خطوة بعد خطوة... إلى أن توارى عن أنظاري...
حينها فقط أطلقت صيحة مكبوتة:
"وليد!!"
ومددت يدي إلى الأمام محاولة الإمساك بظله... لكنه تلاشى...
مرت نحو ساعة... ونحن عند المقاعد, أنا جالسة... وسامر يجلس تارة ويقف أخرى... في توتر فظيع...
بعد ذلك... أقبل إلينا أحد رجال الأمن وطلب منا مرافقته.
سأل سامر:
"أين شقيقي؟؟"
فأجاب الرجل:

"سيحوّل إلى لجنة التحقيق"

فزعت وشهقت رغما عني... نظر الاثنان إلي ثم إلى بعضهما البعض... وقال سامر:
"تحقيق؟؟"
فأجاب رجل الأمن:
"نعم. فهو يحمل سلاحا ويعبر به الحدود دون ترخيص"
قال سامر:
"ماذا ستفعلون به؟؟"
أجاب:
"سيخضع للتحقيق... لا أعرف تحديدا. المهم... هلاّ رافقتماني الآن؟؟"
سأل سامر:
"نرافقك إلى أين؟؟"
فأجاب:
"للتفتيش الشخصي أولا, وبعد التفتيش, سننقلكما إلى أقرب نقطة بعد الحدود ومن هناك تابعا طريقكما إلى المدينة في سيارة أجرة إذ أننا سنحتجز سيارتكم عندنا لحين انتهاء التحقيق وإجراء اللازم"
التفت سامر إلي... وكان وجهه مكفهرا محتقنا بالدماء... ولم يقل شيئا... أما أنا فقلت وأنا أحرك رأسي اعتراضا وتهديدا:
"أنا لن أبرح مكاني حتى يعود وليد"
فهم سامر قصدي, وخاطب رجل الأمن سائلا:
"أين شقيقي الآن؟ أريد أن أراه"
فأشار الرجل بيده إلى المبنى الذي اختفى وليد خلف جدرانه, فقال سامر:
"خذني إليه من فضلك أولا..."
فقال الرجل:
"لا بأس, تفضل"
عندها مددت يدي وأمسكت بمعطف سامر... أذكره بأنني هنا...
التفت سامر إلي ثم إلى الرجل وسأله:
"هل لديكم كرسي متحرك؟ الفتاة لا تستطيع المشي"
فرد الرجل:
"لا, للأسف"
وعندما نظر سامر إلي أعدت أقول:
"أنا لن أتحرك من مكاني قبل مجيء وليد"
فقال:
"دعيني أراه أولا وأعرف ما أفعل.."
واستخرج هاتفه من جيبه واتصل بوليد...فسمعنا صوت رنين هاتف على مقربة وعندما التفتنا إلى الصوت رأينا وليد يظهر وبرفقته شرطي, يسيران متقدمين إلينا...
وقفت من شدة هلعي على رجليّ... وكنت أرتدي خفا منزليا على قدمي اليمنى, بينما الأخرى مجبرة... وأحسست بحرارة الأرض تتخلل خفي وتلهب قدمي, حينما صار وليد أمامنا راح ينقل بصره بيننا ثم قال:
"اذهبا مع رجال الأمن. سيوصلونكما إلى أطراف المدينة. وبعد ذلك استغلا أي سيارة أجرة واتجها إلى المطار. التذاكر وكل ما تحتاجانه في حقيبتي اليدوية"
فقلنا معا:
"وأنت؟؟"
فقال بصوت خافت لا يتعدى بعدنا:
"سأسوى المسألة هنا وألحق بكما"
أنا قلت مندفعة:
"لن نذهب لأي مكان من دونك"
فأومأ لي وليد بنظرة من عينيه ثم قال:
"لا وقت لنضيعه في الكلام. الطائرة ستقلع بعد ساعتين. يجب أن تدركاها وترحلا بسلام"
ثم أخفت صوته وقال:
"أي تأخير سيبقيه في دائرة الخطر... عجلا"
هتفت:
"ولكن"
فقاطعني زاجرا:
"بدون لكن... أتفهمين؟؟"
وحدق بي لثوان... بنظرة زاجرة حادة...
ثم التفت إلى سامر وقال:
"انتبها لنفسيكما جيدا..."
ونطق سامر بنبرة حزينة توشك على البكاء:
"أخي..."
فرفع وليد يديه وحط بهما على كتفي سامر... كأنه يستند عليه, لا يسانده... ثم تنهد تنهيدة ألم مريرة... ربما لأن ذراعه شبه مخلوعة جريحة... أو ربما لشدة صعوبة المأزق الذي كنا فيه... قطب حاجبيه ثم أرخاهما وقال:
"اهتم برغد... إنها أمانتك أنت الآن..."
ثم نقل بصره فيما بيننا وقال أخيرا:
"في أمان الله"
لا أذكر... تفاصيل ما حدث بعد ذلك... لا أذكر... إلا وأنا في سيارة... أنظر عبر زجاج النافذة... ووليد في الخارج... يقف بين رجال الأمن... يلوّح إليّ... والسيارة تبتعد... وتبتعد... وتبتعد... ويتلاشى وليد... كما يتلاشى السراب...
فجأة... بين عشية وضحاها... بل بين لحظة واللحظة التي تليها... تحولت حياتي إلى شيء خال من وليد!
يختفي من حياتي فيما أنا أراقبه... وهو يبتعد... دون أن أملك القدرة على فعل شيء...
ابتعدت السيارة كثيرا... وعيني لا تزال تحدق عبر النافذة... تفتش عنه!...
وصورته الأخيرة... هو يلوح لي بيده... مودعا... هي الصورة الأكثر إيلاما... التي اختزنتها محفورة في ذاكرتي... كأقسى لقطة وداع فرّقتني عن وليد قلبي... من بين كل لحظات الفراق الأخرى في حياتي... على الإطلاق...
أصابتني حالة ذهول... فقدت القدرة على الكلام... القدرة على التفكير... القدرة على التصرف... وانقدت لما كان سامر يطلبه مني دون أن اعرف ما هو...
لم أستفق من حالة التيه... إلا عندما وجدت نفسي أهبط من الطائرة إلى مطار الوصول... وأفتش عن وليد بين المسافرين...
رأيت كل الناس... كل الأجناس... من كل العالم... كل البشر الذين خلقهم الله... كلهم من حولي... إلا وليد!
لم أر منه إلا لقطة أخيرة... وهو يلوح لي مودعا... وعيناي تشيعانه... عبر زجاج النافذة...
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أصرخ في المطار كالمجنونة:
"أعيدوني إلى وليد"

************

اللقاء بدانة كان حميما وملتهبا جدا... امتزجت فيه دموع الشوق بدموع الذكريات الأليمة... بدموع القلق... لكن أكثر الدموع طغيانا كانت تلك التي فجرتها رغد حزنا وخوفا على وليد. سقتني كؤوس القلق والندم جرعة على مدى الفترة المفجعة التي تلت وصولنا إلى هذه البلد. فقدنا الاتصال بوليد... حتى أننا لم نطمئنه إلى أننا وصلنا بسلام... وما فتئنا نحاول الاتصال به بكل الأرقام وفي كل الأماكن الممكنة دون جدوى. لم نعرف إن كان لا يزال في البلدة المجاورة لبلدتنا أم أنهم قد رحّلوه إلى بلدنا... أم إلى مكان آخر...
وإن كان في قبضة الشرطة أم أنهم قد أخلو سبيله... اتصلنا حتى بالمنزل والمزرعة والمصنع.. بلا جدوى.. وتولى عمي أبو حسام مهمة تقصي أخباره في البلد واستخدم كل الطرق, دون نتيجة حتى الآن.
أخشى ما كنا نخشاه... هو أن تكون السلطات قد زجت به في السجن أو فعلت به شيئا... وأنا لن أسامح نفسي أبد على ما قد يكون شقيقي قد تعرض إليه بسببي.
وليد قدّم من أجلي تضحية كبيرة... ضحى بنفسه من أجل إنقاذي وفضلني على نفسه... وتحمل وزري نيابة عني...
أنا أيضا... مستعد الآن لأن أضحي بكل شيء... من أجل ظهوره وعودته إلينا سالما.
أقمنا في منزل دانة وعائلتها. وهو منزل كبير مؤلف من عدة أجنحة, كان يسكنه أمير أو ما شابه قبل أن يشتريه نوّار... زوج دانة... لاعب الكرة الشهير... والمليونير...
ولأنني عدمت خيارا آخر, فقد اضطررت للمبيت هنا مؤقتا لحين مجيء أخي أو إيجاد حل بديل.
نوّار وعائلته رحبوا بنا وخصّصوا لنا غرفتي نوم في أحد الأجنحة وضيّفونا بسخاء. واعتمدت على النقود التي تركها وليد في حقيبته لشراء الضروريات.
آه أجل...
لا بد وأنكم تتساءلون عن رغد... وما حل بها بعد وليد...أول ليلة قضتها في هذا المكان كانت أفظع من الوصف. كانت في حالة ذعر متواصل واضطرت دانة للمبيت إلى جانبها في الغرفة. كانت تصف لنا كيف هاجم رجال المباحث وليد وأوشكوا على قتله... وكانت تعتقد بأنه الآن في قبضتهم وأنهم سيقتلونه... كانت ستموت بهذا الاعتقاد... واضطررت لاحقا لأن أتفق مع عمي أبي حسام على أن يخبرها بأن وليد بخير ولا يزال محبوسا تحت التحقيق وأنه سيلحق بنا فور خروجه. ارتابت في كلام أبي حسام أولا ولكنها صدقته في النهاية حتى ولو من باب التعلق ببصيص الأمل...
صرنا لا نجرؤ على ذكر اسمه على مسمعها... خشية أن تفلت الحقيقة من ألسننا سهوا... وتعود للهستريا المرضية تلك... وبقينا نتظاهر بالاطمئنان والتفاؤل فيما أفئدتنا يمزقها القلق... والبحث ولاتصالات جارية... ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم...
"انظر سامر... هل هكذا زاوية أنفه؟.. ألا تبدو أقل حدة؟؟"
تسألني وهي واقفة أمام لوحة جديدة ترسمها لوليد... وهو يلوح بيده... وتقارنها بصورته...
كانت الساعة التاسعة ليلا... هكذا قضت ساعات الأمس واليوم... تكرر رسم وجوه أمي وأبي ووليد... من الصور الفوتوغرافية التي كانت بحوزة دانة... الصور التي تم التقاطها لنا ليلة زواجها... وأخرى التقطت لوالدي الراحلين... عندما ذهب العريسان لزيارتهما قبل هجرتهما إلى هذه البلدة...
أجبت:
"ألم تتعبي من الوقوف؟ أريحي رجليك قليلا... لا تزالين في فترة النقاهة"
وقد نُزعت جبيرة رجلها اليسرى مؤخرا, فقالت وهي محملقة في اللوحة:
"رجلاي اعتادتا الكسل طيلة الشهور الماضية. آن الأوان لتنشيطها"
وأخذت تتأمل اللوحة ثم قالت:
"لا...! لم أتقن رسم الأنف..."
وإذا بها تزيل اللوحة التي قضت ساعات في رسمها وتضعها جانبا... وتضع لوحة بيضاء جديدة استعداد للرسم من جديد...
نزعتُ اللوحة من العمود ووضعتها جانبا... ونظرت إلى رغد بحزم... فنظرت إلي وهي تعبس بانزعاج...
قلت لها:
"يكفي يا رغد... إلى متى ستظلين ترسمين هكذا؟"
فتبدلت تعبيرات وجهها ثم قالت:
"إلى أن... تظهر الأصول... ولا أحتاج إلى الصور"
ثم رمت بالفرشاة والألوان من يدها وسارت مسرعة إلى سريرها وأكبت على وجهها فوق الوسائد وأخذت تبكي...
التفتُ إلى دانة... التي كانت تجلس على المقعد أمام المرآة... تتابعنا من خلالها... وهززت رأسي أسفا وحزنا على رغد.
هممت بالاقتراب منها والتحدث إليها, غير أن دانة أشارت إلي بألا أفعل... فلذت بالصمت وبقيت أسمع صوت نحيبها المرير... وقامت دانة فاقتربت منها وحاولت تشجيعها ببعض الكلمات... فخرجتُ من الغرفة ووقفت قرب الباب بين رغبتين متعارضتين في البقاء إلى جوارها والابتعاد عنها.
وبعد قليل رأيت دانة تخرج من غرفة رغد وتغلق الباب من بعدها... وتنظر إلي والحزن يطلي وجهها بلون رمادي معتم.
فسألتها:
"ماذا قالت؟؟"
فأجابتني بحزن بليغ:
"سألتني عن كنت أملك أيضا...صورة لوالديها الحقيقيين... عمي وزوجته... رحمهما الله!"




ولم يكن قد سبق لرغد وأن طلبت شيئا كهذا ولم تكن تبوح بحنينها لوالديها أو تعبر عن أي مشاعر تكنها لهما... منذ كانت طفلة صغيرة... على الأقل هذا ما اعتقده...
أضافت دانة بأسى:
"لو أننا نعلم أين وليد الآن... إلى متى سنظل نجهل مصيره؟؟"
أشرت إليها أن تخفض صوتها... لئلا يصل إلى مسامع رغد وصمتٌ لبرهة ثم قلت هامسا وأنا أعقد العزم:
"سأذهب للبحث عنه بنفسي"
عندها تلاشت العتمة الرمادية عن وجه دانة وحل التوهج الأحمر على وجنتيها وقالت:
"تذهب أنت؟؟ لا! مستحيل"
فقلت:
"لا بد من ذلك يا دانة"
فإذا بها تمسك بذراعي وتهز رأسها اعتراضا



يتبع............
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.aljamal-islami.com
فتاة مسلمة
******
avatar

عدد المساهمات : 337
تاريخ التسجيل : 08/02/2010
العمر : 27
الموقع : الجمال الاسلامى

مُساهمةموضوع: رد: رواية ستاخذك لعالم اخر و ستستحوذ على تفكيرك كله....   الإثنين مايو 03, 2010 1:39 pm

( تتمة)

ولم يكن قد سبق لرغد وأن طلبت شيئا كهذا ولم تكن تبوح بحنينها لوالديها أو تعبر عن أي مشاعر تكنها لهما... منذ كانت طفلة صغيرة... على الأقل هذا ما اعتقده...
أضافت دانة بأسى:
"لو أننا نعلم أين وليد الآن... إلى متى سنظل نجهل مصيره؟؟"
أشرت إليها أن تخفض صوتها... لئلا يصل إلى مسامع رغد وصمتٌ لبرهة ثم قلت هامسا وأنا أعقد العزم:
"سأذهب للبحث عنه بنفسي"
عندها تلاشت العتمة الرمادية عن وجه دانة وحل التوهج الأحمر على وجنتيها وقالت:
"تذهب أنت؟؟ لا! مستحيل"
فقلت:
"لا بد من ذلك يا دانة"
فإذا بها تمسك بذراعي وتهز رأسها اعتراضا وتقول منفعلة:
"كلا... لن أدعك تذهب يا سامر... الآن لدي أخ واحد موجود, هل تريد أن أفقدكما أنتما الاثنين؟؟"
فقلت:
"ولكن يا دانة"
ولم تدع لي المجال لإتمام الجملة بل أسندت رأسها إلى كتفي وقالت:
"لا تفكر يا سامر... أنا ما كدت أصدق... أنك معي الآن... ما أحوجنا... أنا ورغد إليك... أنت من تبقى لنا من العائلة... أرجوك لا تفكر في الذهاب"
علاقتي بشقيقتي دانة كانت قوية جدا منذ الصغر... كنا صديقين حميمين... وكنت أعتبرها أقرب الناس إلي... وكانت الوحيدة التي أبث لها بهمومي وأشكو إليها مخاوفي.
والآن... بعد اجتماعنا من جديد عقب كل ذلك الفراق, استعادت علاقتنا حرارتها ومتانتها... وأخبرتها بتفاصيل ما حصل معي ومع المنظمة... والشرطة... وبكل ما مر بي منذ ليلة زواجها وحتى الآن... بل وحتى عن العملية التي أُكريت لجفني... وعملية الاغتيال الفاشلة التي شاركت فيها... والمؤامرات التي حكناها وكنا على وشك تنفيذها...
وحالة اليأس التي اعترتني لدى فقد أحبتي... ورغبتي في الانتقام لمقتل والديّ... تفاصيل كثيرة ومريرة... أعارتني لسماعها الأذن الصاغية.. والصدر الرحب.. والقلب الحنون.. كعادتها دوما... ما ضاعف شعوري بالندم والخجل من أفعالي...
مسحت على رأسها مؤازرا... فنظرت إلي ببعض الرضا ثم قالت:
"كما أنني لا أستطيع تحمل مسؤولية رغد... تعرف أنه لا طاقة لي بمزاجها في الوضع الطبيعي, فكيف بها وهي في هذه الحال؟؟"
شردت قليلا.. وتذكرت شقيقي في يوم فرارنا... وهو يوصني برغد ويحذرني من الابتعاد عنها مهما حصل... وغزت ابتسامة ساخرة واهية زاوية فمي اليمنى... لاحظتها دانة فسألت:
"ما الأمر؟؟"
فأجبت:
"تذكرت وليد... وهو يوصيني على رغد... كأنه كان يعرف... أنه لن يواصل الطريق معنا"
وشردت برهة ثم تابعت:
"كانت آخر كلماته لي: (إنها أمانتك أنت الآن) ..."
وأسندت رأسي إلى الجدار ونظرت للأعلى وخاطبت وليد الغائب في سري:
(هذه الأمانة... لا تريدني أنا يا وليد... بل تريدك أنت)
ثم صفعت برأسي في الجدار بمرارة...
عدت أدراجي إلى غرفة نومي... وما إن دخلتها, حتى سمعت صوت هاتفي يرن...أسرعت إليه متمنيا أن يحمل الاتصال خبرا جيدا... كان المتصل هو سيف الحازم... صديق وليد المقرب... يخبرني وللعجب والدهشة... أنه مع وليد الآن... في البلدة المجاورة لبلدتنا... في إحدى المستشفيات...

************

منذ أن تلقيت اتصاله يوم الجمعة هرعت إلى وليد... أنا مع والدي مسافرين برا إلى المدينة المجاورة. وليد كان معتقلا لدى سلطات البلدة لتورطه بقضية حمل سلاح بدون ترخيص. لم نحصل منه على تفاصيل عبر الهاتف ولدى وصولنا فوجئنا بمن يبلغنا بأنه قد نقل تحت الحراسة إلى إحدى المستشفيات نتيجة تدهور وضعه الصحي المفاجئ...
مفاجآت وليد هذه لا تنتهي ولم تكن لتخطر لأحد على بال...
تولى والدي-وهو محام كبير كما تعرفون- أمر القضية وحصلنا على إذن رسمي بزيارته داخل المستشفى يوم الاثنين. قابلنا الأطباء وسألناهم عن وضعه قبل زيارته فأخبرونا بأنه كان لديه نزيف حاد في معدته وتمزق في جدارها والتهاب شديد في أنسجة البطن... وأنهم اضطروا لإدخاله إلى غرفة العمليات وإجراء عملية عاجلة له... وإعطائه كمية كبيرة من الدماء...
تعلمون أن وليد يشكو منذ زمن من قرحة في المعدة ويظهر أنها اشتدت وتمزقت ونزفت بغزارة...
هذا تفسير معقول...
لكن الغير معقول والغير مصدق... هو ما قالوه أيضا... أنهم وجدوا علامات على جسده تشير إلى أنه تعرض للضرب أو التعذيب الشديد قبل ساعات من فحصه...
أما الأشد غرابة فهي ورطة السلاح... وهذا السفر المفاجئ لوليد... والغموض الشديد الذي يغلف القضية...
دخلنا غرفة وليد يسبقنا فضلونا للاطمئنان عليه ومعرفة التفاصيل... لكن ما إن وقعت أعيينا عليه حتى أطبقت على فمي كي لا أطلق شهقة قوية تثير بلبلة من حولي... وحملقت فيه مذهولا... وكذلك فعل والدي.
اقتربنا من سريره بخطى مترددة... إذ أننا لم نتيقن من كون هذا المريض هو بالفعل وليد... وأن القضية كلها ليست تشابه أسماء أو سوء فهم...
رباه... أحقا هذا وليد؟؟
اللهم نسألك اللطف والرحمة...
كان مغمض العينين, ربما نائم... ربما فاقد الوعي... أو ربما أسوأ من ذلك. جسمه ملفوف بالضماد في عدة مواضع والعديد من الأجهزة موصلة به. جهاز يراقب نبض القلب, جهاز يكشف مستوى الأوكسجين, جهاز يقيس ضغط الدم... وقارورة دم معلقة قربه... تقطر دما متدفقا عبر الأنابيب إلى وريده... كان يبدو مزريا... وكانت هناك ممرضة قابعة بجواره تراقب شاشات الأجهزة وأخرى تقف في الجانب الآخر وتعمل على تنظيف ما ظهر لنا أنه جرح في البطن. الغرفة تعبق برائحة الأدوية والمطهرات... ويدوي فيها طنين الأجهزة كأنه صفارة إنذار بالخطر...
اهتز قلبنا لدى مشاهدة المنظر وتبادلنا نظرات الاستغراب والأسف.
عندما نزعت الممرضة الضمادات عن الجرح رأينا حركة تصدر من الجسم الممدد على السرير تحت اسم صديقي وليد... قفزت أعيننا نحو عينيه ولكنه لم يفتحهما... بل حرك يده على السرير وكأنه يعتصر ألما...
قالت الممرضة:
"اصبر قليلا"
ثم نظرت الممرضة الأخرى إلى ساعة يدها وقالت:
"إنه موعد المسكن على أية حال"
وحقنت دواء ما عبر أنبوب المصل المغروس في ذراع وليد. أثناء جريان الدواء إلى وريد وليد كانت تعبيرات الألم ترسم على وجهه تجاعيد عابسة حزينة... اقترنت بانقباض يده واعتصار عينيه... على إثر هذا لم أتمالك نفسي وأقبلت نحوه بهلع وهتفت:
"وليد... وليد..."
رأيت وليد يفتح عينيه... ثم يحاول تحريك رأسه ببطء يمينا ويسارا يفتش عن مصدر الصوت... فمددت يدي إلى يده وشددت عليها وقلت:
"وليد... صديقي... أنا هنا... سيف"
التفت وليد إلي, وبدا أنه غير مصدق, أو مشوش الرؤية... وأحسست بأصابعه تحاول أن تشد علي.. إلا أنها سرعان ما ارتخت وسرعان ما أسدلت عينيه الجفون وغطت الرؤية. وعندما ناديته بعدها لم يجبني.
وسمعت الممرضة تقول:
"أعطيته للتو الدواء المخدر"
فالتفتُ إليها وسألت في ذات الوقت الذي سأل والدي:
"هل هو بخير؟؟"
فأجابت:
"يتحسن. غير أنه لا يزال بحاجة إلى المخدر للسيطرة على الألم"
بعدها ذهب والدي لمتابعة القضية وبقيت بجوار وليد أراقبه بتمعن واعد الثواني متزامنة مع قطرات الدم المتدفقة من القارورة... متناغمة مع طنين الأجهزة ومؤشر دقات قلب وليد... وأنا شديد الحيرة والقلق والتشويش... إلى أن استفاق وليد أخيرا بعد نحو ساعتين... فاقتربت منه وشددت على يده برفق وقلت:
"سلامتك... يا عزيزي... ماذا حل بك؟؟"
نظر وليد نحوي وشد بضعف على يدي وأومأ متجاوبا معي... ثم نطق والقلق يغطي تعبيرات وجهه:
"سيف... الهاتف"
وفهمت منه أنه يريد استخدام الهاتف... استخرجت هاتفي وفيما أنا أمده نحوه سمعت الممرضة تقاطعنا قائلة:
"ممنوع... لا للهواتف المحمولة هنا"
تلفت من حولي ولم أجد جهاز هاتف ثابت فسألت:
"إذن كيف يمكننا الاتصال؟؟"
فقالت:
"خارج المبنى"
عدت إلى وليد والذي اشتد القلق على وجهه وسألت:
"بمن تريدني أن أتصل؟؟ بزوجتك؟"
فأومأ برأسه نفيا ثم قال:
"سامر... رغد..."
حل والدي المسألة بطريقة ما وأُطلق سراح وليد رسميا بعد ثلاثة أسابيع أخرى... وكان لا يزال ملازما سرير المستشفى وبحاجة للرعاية الطبية, وكنا أنا ووالدي نتنقل بين البلدتين لعيادته من وقت لآخر... وكنت أقوم بدور المرسال بينه وبين شقيقه.. غير أنه وفور صدور أمر الإفراج عنه أصر على مغادرة المستشفى مخالفا أمر الأطباء... ورافقته بنفسي إلى مكتب الطيران حيث حجز مقعدا على متن أول طائرة تغادر البلدة متجها إلى عائلته...
وليد أخبرنا أنا ووالدي عن مشكلة تورط شقيقه في الشغب... وعن تعرضه للضرب من قبل السلطات... واتضحت لنا الأمور الغامضة... غير أنه حذرنا من تسريب أي معلومات لأي كان أو لأي مكان... وبالأخص للمصنع وموظفيه...
ولذلك فإنني لدى تلقي اتصال من أسامة يسأل فيه عن وليد الغائب فجأة منذ أيام... زعمت أنه اضطر للسفر إلى شقيقته لظروف عائلية خاصة...
للعلم فإن حالة وليد الصحية لا تزال متدهورة ومعظم الأطعمة محظورة عليه...
وهناك شيء أخر سأخبركم به أيضا... وليد طلب من أبي أن يباشر إجراءات التنازل عن الوصاية على ابنة عمه اليتيمة القاصر لصالح شقيقه الوحيد... سامر!

**********

تلقيت مكالمة من المحامي يونس المنذر الذي يعمل مع وليد في المصنع, يسألني فيه عن وليد... ثم أبلغني بأنه مختف منذ أيام!
وأبلغني أيضا... بأن ابنة أخيه والتي تدرس مع رغد في الجامعة أكدت أن رغد عاودت الحضور إلى الجامعة لبضعة أيام ثم اختفت أيضا وفٌقد الاتصال بها... وأنهم حاولوا الاتصال مرارا بوليد عبر هاتفه المحمول وعبر هاتف المنزل وحتى هاتف رغد دون جدوى... وكذلك زاروا منزل وليد أكثر من مرة في أوقات مختلفة وما من أحد...
أشعرني ذلك بقلق شديد وحاولت الاتصال به بنفسي ولم أفلح. كان خالي قد كلمه آخر مرة يوم الخميس... وحسب قول خالي, كان وليد متوترا وقال أنه مشغول وقطع المكالمة فجأة. تفاقم القلق في نفسي كثيرا... وبلغ ذروته حين أخبرني المحامي في اتصال لاحق بأنه لاحظ اختفاء مبالغ كبيرة من رصيد وليد الخاص, ورصيد المصنع, وتغيّر مجرى قلقي ومخاوفي حين علمنا بعد ذلك أنه سافر.
كان أبو فادي صديق وليد هو من أبلغنا بهذا الخبر وأكدته عائلة أم حسام, خالة رغد... قالوا... أنهم علموا أنه سافر مع أخيه وابنة عمه إلى الخارج لأمر طارئ... لكنهم قالوا أنهم يجهلون أي تفاصيل...
كنت أنتظر من وليد الحضور إليّ من أجل إعادة النظر في مشكلتنا الخاصة والتي هي أكبر وأهم من أن يماطل في حلها... فكيف تتوقعون

مني أن أفكر... لدى علمي بأنه قد تركني فيما أنا فيه... وسافر مع عائلته دون أي كلمة؟؟ وكأنني شيء جانبي في حياته أو على الهامش...
تفاقم إحساسي بالغيظ وخيبة الأمل من وليد... وفاق إحساسي السابق بالقلق... فتوقفت عن محاولة الاتصال به... وصممت على ألا أكلمه... حتى أقابله وجها لوجه... المقابلة الحاسمة...

***********

كعادتي كل يوم... أقضي الساعات في الرسم... إذ إنه لاشيء أمامي غيره...
لم أكن أرغب في مجالسة دانة وسامر أو التحدث معهما... لم أرغب في التواصل مع خالتي ونهلة وطمأنتهما على أحوالي... لم أبادر بمهاتفة مرح أو أي زميلة في الجامعة وإعلامها بما حصل معي...
لا شيء يثير اهتمامي... ويشغل تفكيري... غير وليد...
لم أكن أرى غير عينيه... في نظرته الأخيرة لي... عبر زجاج نافذة السيارة... وهو يلوح لي مودعا...
والصورة الأخيرة التي طبعتها في مخيلتي... ترجمتها بفرشاتي فصارت نصب عيني...
كدت قد تعلقت بأمل شبه ميت... بأنه بخير... وسيظهر... هكذا كان سامر وعمي أبو حسام يرددان كلما سألتهما... إلى أن اتصل بسامر أبو فادي, صديق وليد الحميم وأكد أنه مع وليد في تلك البلدة وأن أباه المحامي يعمل جاهدا على حل قضيته. وصار سامر على اتصال يومي به... ينقل إلينا الأخبار أولا بأول... ويطمئننا إلى أن وليد بخير... وسيُطلق سراحه قريبا...
الحمد لله...
الساعة التاسعة والنصف مساء... ولا أزال واقفة أمام لوحتي الجديدة... أدمج ألوانها بحذر... متمنية أن أنجح هذه المرة في تصوير ملامح وقسمات وجه وليد... تماما كما هي في الحقيقة... وتماما كما كانت لحظة أن ودعني ويده تلوح في الهواء...
لحظة فظيعة... فظيعة جدا!
أشعر بتعب... فأنا منهكة في الرسم منذ ساعات... هذا إلى أنني مصابة بالزكام الحاد نتيجة الجو البارد في هذه البلدة... وتداهمني نوبات متكررة من السعال الشديد...
يُطرق الباب, فأجبت بتملل:
"من هناك؟؟"
وأنا أعرف أن الطارق لن يكون غير واحد من اثنين... سامر... و دانة... وهما لم يأتيا ويربكا تركيزي- كعادتهما منذ ساعات...
وعلى أثر التكلم تنتابني نوبة سعال قوية...
"هل تأذنين لي بالدخول؟"
سمعت صوت سامر يتحدث... فوضعت لوح ألواني جانبا باستياء... وتناولت وشاحي واتجهت إلى المرآة وأنا لا أزال أسعل...
هنا سمعت صوت مقبض الباب يُدار وفوجئت به يفتح...
كيف تجرؤ!
التفت إلى الباب بسرعة وأنا أهتف بصوتي المبحوح:
"انتظر سامر"
فإذا بي أرى دانة تطل برأسها من فتحة الباب ثم تتسلل إلى الداخل...
نظرت إليها باستغراب... وأصابني القلق لدى رؤيتي سيلين من الدموع على وجنتيها وتعبيرات متداخلة قوية منقوشة على وجهها... ثم إذا بها تقول:
"الآن...؟؟"
وتلتفت إلى الناحية الأخرى وتقول:
"تفضل"
وتفتح الباب على مصراعيه...
كان موليا ظهره للباب... ثم تنحنح بخشونة... واستدار ليلقي نظرة على داخل الغرفة... وتقع عيناه على عيني... ويتهلل وجهه ويبتسم ويقول:
"صغيرتي!"
لا أصدق...
لا أصدق...
لا أصدق... لا أصدق...
شهقت... رفعت يدي إلى فمي... كتمت سعالي... تراجعت إلى الوراء بخطوات مبعثرة... أهز رأسي... ثم أؤرجح يدي... ثم أترنح على قدمي... ثم أتسمر في موضعي... ثم أطلق زفرة صارخة قوية:
"وليد!!!"

***********

كانت تقف على قدميها الاثنتين... أجل, فالجبيرة قد نُزعت عن رجلها اليسرى... وصارت تمشي بحرية...
لكنني لحظت العرج البسيط في مشيتها من أول خطوات سارتها أمامي... وسمعت بحة قوية في صوتها وهي تناديني...
يا لصغيرتي الحبيبة... يا لرغد...
إنني لا أكاد أصدق... أنني عدت لأراها من جديد...
لقد حسبت... القدر يلعب معي لعبته الجديدة... وأنتهي مرميا في السجن محروما من الحرية... من نور الشمس والهواء... ومن أهلي وأحبابي...
ما سجدت لله شاكرا... لن أستطيع أن أبلغ جزءا من ألف جزء... من واجب الشكر والامتنان للرحمن...
اللهم لك الحمد والشكر... بعدد ما تشاء وما ترضى... إلى ما تشاء وما ترضى...
فيما بعد... جلست على أحد المقاعد... وأحاط بي شقيقي من الجانبين, ووقفت الصغيرة أمامنا... فضممت أخوي إلي بحرارة... مرددا (الحمد لله) وداعيا ربي بأن يحفظ لي أخوي وابنة عمي... ويبقي لي عائلتي سالمة وبعيدة عن كل المخاطر...
المأزق الذي مررت به... محنة سامر هذه... شيّبت شعري وجعلتني أقفز إلى سن الشيخوخة... وأصبح كعجوز على فراش المرض يعد أواخر أيامه... ويلملم أفراد عائلته من حوله... ليودعهم...
ولأنه كان اجتماعي الأول بدانة بعد فراق طويل... منذ ليلة عرسها تلك... فإن مئات المشاعر لمئات الأسباب والأحداث تفجرت ليلتها... وأغرقتها في بحور عميقة لا بداية لها ولا نهاية...
وطبعا لم تكن المناسبة تمر دون أن نذكر والديّ رحمهما الله, ونقلّب المواجع على فقدهما... وقد كانت دانة هي آخر من رآهما قبل وفاتهما... عندما زارتهما هي وعريسها بعد زواجهما مباشرة, وقبل انتقالهما للعيش في هذه البلد...
يا للذكريات...
هدأت عواصف مشاعرنا المختلفة أخيرا... وبدأ الجميع يسألني عن تفاصيل ما حصل معي خلال الأيام الماضية... فأوجزت لهم الأحداث وطمأنتهم إلى سير الأمور على خير... واطمأننت بدوري عليهم وشعرت لأول مرة... بعد عناء طويل وانشغال كبير... براحة البال...
وأنا أرى سامر... ورغد... وكذلك دانة من حولي... لم أكن لأتمنى من هذه الدنيا إلا سلامتهم... شددت على يد سامر ونحن نحدق في بعضنا البعض... وكانت النظرات أبلغ وأفصح من أي كلمات...
الحمد لله...
ولأنني كنت مرهقا من عناء السفر الطويل... ولا أزال في فترة النقاهة... فقد أردت أن أخلد للنوم والراحة... أخذتني دانة إلى إحدى الغرف... في زاوية بعيدة بعض الشيء عن الجناح الذي يقيم فيه سامر ورغد... وتركني الجميع هناك لأستحم ثم آوي إلى الفراش...
بعدما أنهيت استحمامي وفيما أنا أستخرج أدويتي من الحقيبة لأتناولها سمعت طرقا على الباب.
"تفضل"
كانت شقيقتي دانة... تحمل معها بطانيات وألحفة.
"تدثر جيدا... لئلا تصاب بنزلة برد مثل رغد"
قالت وهي تضعها على السرير فابتسمت وقلت:
"شكرا"
"أتحتاج أي شيء؟؟ ألا أجلب لك طعاما؟"
سألت فأجبت:
"كلا شكرا. هل لي ببعض الماء فقط؟؟"
"بالتأكيد"
وهمّت بالانصراف فأضفت:
"ومصحف من فضلك"
فابتسمت وحانت منها التفاتة إلى المنضدة التي وضعت عليها الأدوية ثم نظرت إلي باستنكار وقالت وهي ترفع سبابتها:
"التدخين ممنوع!"
فضحكن ضحكة خفيفة وقلت:
"هذه أدوية معدتي! أقلعت والحمد لله"
وفيما بعد جلست على السرير ملتحفا بالبطانية... أتلو آيات من الذكر الحكيم... وأحمد الله مرارا وتكرارا في سريرتي... وما إن مضت بضع دقائق حتى عاد الطرق على الباب...
"نعم تفضل"
متوقعا أن تكون دانة... غير أنها كانت رغد...
بدا عليها التردد وعي تفتح الباب ببطء وتطل من فتحته... ثم تخطو خطوة أو اثنتين إلى الداخل... بمجرد أن وقعت عيناي على عينيها عرفت أن لديها الكثير لتقوله... لكنّ تعبيرات وجهها اضطربت وقالت:
"اعتذر على الإزعاج... فقط أردت أن... أسألك إن كنت بحاجة إلى شيء"
أنا؟!... أنا محتاج إلى كل شيء يا رغد!
أجبت:
"شكرا صغيرتي... لا شيء للآن"
فشتت أنظارها في أرجاء الغرفة ثم سألت بخجل:
"هل شُفيت إصاباتك؟؟"
تعني ولا شك... الهجوم الوحشي الذي تعرضنا له تلك الليلة... وهي ليلة أشعر بالخجل والعار كلما تذكرتها... غضضت بصري وأجبت محاولا التظاهر بالعفوية والمرح:
"نعم... كما ترين"
ولما رفعت بصري إليها رأيتها تبتسم ثم تقول:
"حسنا... تصبح على خير"
ثم سعلت لبضع ثوان وهي تتراجع للخلف... فقلت:
"سلامتك"
فاتسعت ابتسامتها... وتابعت سيرها إلى الوراء وهي ممسكة بمقبض الباب تغلقه ببطء إلى أن بقيت فتحة صغيرة بالكاد تسمح برؤية نصف وجهها فإذا بي أسمعها تقول:
"أنا سعيدة بعودتك سالما... كدت أموت خوفا عليك... سعيدة جدا"
وتغلق الباب!
في اليوم التالي اجتمعنا أنا وشقيقاي ورغد ونوّار حول مائدة الغداء... وحتى لو لم أشاركهم طعامهم, شاركتهم الدفء العائلي والإحساس بالانتماء... والجو الأسري الرائع الذي كثيرا ما أفتقده...
وفي وقت القيلولة... جلست مع أخي سامر في غرفته أسأله عن تفاصيل ما حصل معه ومع رغد بعد افتراقنا... وأناقش معه الخطط المستقبلية... دار بيننا حديث طويل... كنت من خلاله... أريد أن أستشف وضعه النفسي... وأعرف إلى أي مدى ارتفعت معنوياته واستعاد رباطة جأشه...
وبالطبع, تحاشيت تماما ذكر موضوع المنظمة... بل إنّي قد عاهدت نفسي ألا أكترث لما فعل أخي ولا لكيف فعل, لا حساب ولا عتاب ولا استجواب, إن هو نجا وخرج من المأزق الخطير سالما... وما دام أخي معي الآن... وأراه أمامي بخير... فلا يهمني النبش في الماضي...
"لم تحدق بي؟!"
سأل سامر وقد لاحظ شرودي وأنا انظر إليه... فابتسمت وقلت:
"آسف... كنت أفكر... كيف سنعثر على منزل مناسب لنشتريه..."
فقال:
"في الحقيقة كنت قد استفسرت من نوّار مسبقا... عمه يقيم في هذه البلدة منذ عشرين عاما ويستطيع مساعدتنا في تدبر أمر المنزل"
قلت:
"جيد. إذن سنسعى لذلك من الآن إذ أنه من المحرج مبيتنا هنا"
حتى ولو كانت عائلة نوّار ترحب بنا بشدة...
قال سامر:
"نشتري شقة مناسبة في مكان قريب من هذا المنزل"
قلت:
"أو منزلا مستقلا... صغيرا ويناسب وضعنا الراهن"
قال سامر وهو يركز النظر إليّ:
"إذن... هل... ستستقر هنا؟

وهو أمر لم أكن أريد التطرق إليه الآن... وأفكاري غير مرتبة... وجسمي منهك... وأعرف أنه موضوع إن فُتح سيجر خلفه مواضيع لا طاقة لنا بها هذه الساعة, لذا تظاهرت بالنعاس وتثاءبت وقلت وأنا أقف:
"سأفكر لاحقا... أشعر بالنعاس... سأقيل قليلا"
وغادرت الغرفة.
ذهبت إلى الغرفة التي خصصتها دانة لي, واضطجعت على السرير... وتدثرت بكل الألحفة والبطانيات المفروشة فوقه, ناشدا الدفء الذي حصلت عليه... في هذا الجو البارد... في هذه البلدة الغريبة... في هذه الغرفة النائية... كان مصدره المحفظة التي تنام تحت وسادتي...
أشلاء صورة رغد...

************

تغمرني سعادة لا توصف... وأنا أواصل دمج الألوان في لوحة وليد الأخيرة... وأتذكر وجوده من حولي... وأطلق زفرات الارتياح...
تناولنا الفطور والغداء معا هذا اليوم... صحيح أن وليد لم يشاركنا الأكل بسبب معدته, لكنه شاركنا الجلوس حول المائدة والأحاديث المختلفة... وعلمت أنه كان راقدا في المستشفى منذ فارقنا وحتى وافانا بسبب نزيف قرحة معدته... وأنه خضع لعملية جراحية لعلاجها وهي حقيقة أخفاها سامر عني طيلة الوقت...
وليد قلبي بدا مريضا بالفعل... شاحب اللون وفاقد الحيوية ومنطفئ البريق الذي كان يشع من عينيه... لكن الأهم أنه معنا الآن... وفي أمان...
عند العصر سمعت صوت دانة تناديني من خلف الباب:
"رغد تعالي لتناول الكعك معنا... نحن في الصالة"
فرددت بسرور ومباشرة:
"قادمة"
وتركت فرشاتي وانطلقت تسبقني سعادتي إلى الصالة, حيث كان أبناء عمي الثلاثة يجلسون... اقتربت منهم واتخذت مجلسي بجوار دانة, واخترت أكبر قطعة من الكعك... وبدأت في تناولها باستمتاع...
دانة ماهرة في صنع الكعك كما تعلمون... أما أنا فماهرة في التهامه!
راقبت وليد خلسة فلاحظت أنه يكتفي بشرب الماء من الكأس الموضوع أمامه, ولا يلمس الكعك...
قلت:
"إنها لذيذة وخفيفة وليد"
فأجاب وهو يبتسم:
"لا شك عندي... لكن معدتي لن تتحمل"
قالت دانة:
"جرب قضمة واحدة صغيرة... هيا وليد... من أجلي"
فكرر وليد اعتذاره وقال:
"إن اشتعلت هذه فلا شيء يطفئها"
وهو يشير إلى معدته, أحسست بالألم والقلق لأجله... وأنا متأكدة أن ما هيّج قرحته وسبب نزيفها هو الضرب الوحشي الذي تلقاه على أيدي وأرجل العساكر الوحوش... تلك الليلة...
تذكر تلك الليلة... جعل يدي ترتجف, وتُوقعُ الشوكة من بين أصابعي...

نظرت على وليد وشعرت وكأنه قرأ الذكريات التي مرت في مخيلتي... فقلت لا شعوريا بصوت هامس:
"الحمد لله... أنك هنا الآن"
وكأن أحدا لم يسمع ما قلت, فسألت دانة:
"عفوا؟؟"
فانحنيت لالتقاط شوكتي وأنا أقول مغيرة الموضوع:
"ما رأيك في المنزل وليد...؟ أليس رائعا؟؟ دانة تتصرف كملكة فيه!"
فنظرت دانة إلي بتباه وقالت مداعبة:
"أنا بالفعل ملكة هنا! كل هذا تحت تصرفي!"
فقال وليد مبتسما:
"هنيئا لك"
فقالت دانة:
"وأنتم كذلك... اطلبوا ما تشاؤون"
فقال سامر بعد أن ابتلع آخر قطعة في فمه:
"لا عدمناك... يكفينا هذا الجناح مؤقتا إلى أن نشتري منزلا أو شقة"
والتفتَ إلى وليد يطلب تأكيد كلامه, فقال الأخير:
"نعم. وسنعمل على ذلك عاجلا"
فقالت دانة مستاءة:
"هراء! تبحثون عن منزل ولدينا كل هذا؟؟"
فرد وليد:
"بارك الله فيكم... ولكن لا بد من منزل مستقل... إن عاجلا أم آجلا"
فقالت دانة مخاطبة إياه بحنق:
"وكأن منزلنا لا يتسع لكم! سآمر الخدم بتنظيف وإعداد كل الغرف التابعة لهذا الجناح وننقل غرفة نومك إلى أي غرفة تختارها يا وليد... سيكون هذا الجناح منزلكم"
فقال وليد:
"أرجوك... لا تتكبدوا العناء... الجناح هكذا يفي بالغرض لحين شراء مسكن مستقل ينتقلان إليه... أنا هنا مؤقتا على كل حال"
الجملة أربكتني وجعلتني أحملق في وليد... ثم أسأله:
"ماذا تعني؟؟"
وتنقلت بأنظاري إلى سامر و دانة, ورأيتهما يحملقان في وليد أيضا...
وليد لم يتكلم لأنه شعر بأن الأعين تتربص به... بل بدا مرتبكا وكأن الجملة قد انفلتت من لسانه دون قصد ولم يستطع استدراكها... أعدت سؤالي:
"ماذا تعني... وليد؟؟"
فإذا به يتأتئ ويمسح على جبينه ثم يرد أخيرا:
"آه... أعني... أنني سأعود إلى الوطن عاجلا..."
شهقت وترددت بأنظاري بين وليد وسامر و دانة ثم قلت وغير مصدقة:
" تمزح وليد... ألست تمزح؟؟!!"
فابتسم بقلة حيلة وقال:
"لا أمزح! أعني أنني... أنا هنا... لأطمئن عليكم ثلاثتكم وها قد اطمأننت ولا بد من العودة"
أخذ التوتر يتفاقم على وجهي ولاحظ الجميع ذلك... ثم قلت والكلمة لا تكاد تخرج من ثغري:
"و... وأنا...؟؟"
فتبادل الجميع النظرات... ثم تسلطت أعيينا على وليد الذي لم ينطق مباشرة... كان مترددا غير أنه في النهاية قال:
"ستبقين هنا يا رغد"
لما لاحظ سامر الهلع يجتاح قسمات وجهي قال مخاطبا وليد ومحاولا تلطيف وقع النبأ:
"لكن... لن تسافر بهذه السرعة... تعني بعد بضعة أسابيع؟..."
فالتفتَ إليه وليد وقال:
"بضعة أيام لا أكثر... تعرفون... لدي زوجة في انتظاري"
عند هذا الحد... وشعرت برغبة مفاجئة في التقيؤ... فوقفت بسرعة وأنا أسد فمي بيدي وهرولت إلى دورة المياه...
عندما خرجت من الحمام –أكرمكم الله- وجدت دانة تقف في الجوار في قلق... وسألتني:
"أأنت بخير؟؟"
ولم أجب.
فأضافت:
"هل كانت الكعكة سيئة أو ماذا؟؟"
التفتُ إليها وقلت:
"ألم تسمعي ما قال؟ يريد العودة إلى الوطن... بعد كل الذي تكبدنا من أجل الفرار... إنه يريد العودة إلى الخطر"
بدا على دانة تفهم مشاعري... ثم قالت:
"لم يقرر... بل يفكر"
قلت بعصبية:
"كيف يفكر في العودة إلى الجحيم؟؟ ألم يكفه ما فعلوا به؟؟ ألا يكفي هذا؟؟"
وذهبت منزعجة إلى غرفتي... و انعزلت فيها لبعض الوقت.

************

"ما كان يجب أن تذكر هذا الآن"
قال سامر يخاطبني بشيء من اللوم... وأنا أدرك أنني فاجأت الجميع بما قلت.. فلم أعلّق. فتابع هو:
"تذكر عودتك العاجلة إلى الوطن... وإلى زوجتك... وأنت بالكاد وصلت البارحة!؟ إنها... كانت قلقة عليك حد المرض"
مشيرا إلى رغد
صمتٌ قليلا ثم قلت:
"ولكن... في الحقيقة هذا ما يجب أن يحصل عاجلا"
نظر إليّ أخي نظرة لم أفهم معناها, أو بالأحرى... لم أرد أن أفهمها... ثم إذا به يقول:
"إذن... إذن... لن تقيم معنا ها هنا؟؟"
وهذا السؤال كان يشغل بال شقيقي منذ الصباح أو ربما منذ زمن... وأعرف ما خلفه...
قلت:
"وأترك زوجتي... وعملي... هناك؟؟!"
أراد سامر قول شيء لكنه تردد... أنا أعرف ما الذي تريد الوصول إليه يا سامر... لكن أرجوك... دعني أسترخي ليوم آخر... ولا تشغل بالي وتشعل النار في داخلي الآن...
أخيرا قال سامر:
"و... والمنزل؟؟ هل سنقيم فيه أنا ورغد بمفردنا؟؟"
وكأنه يستل خنجرا من صدري... آه... كم أتألم...
عضضت على أسناني لأمتص بعض الألم... ثم قلت محاولا الهروب:
"لكل حدث حديث... ننتظر شراء المنزل أولا"
وكانت محاولة فاشلة... إذ إن سامر عاد يسأل:
"وإذا حصلنا على المنزل غدا...؟؟ فهل.."
ولم يتم السؤال...
مسحت على وجهي مضطربا ونظرت يمينا ويسارا باحثا عن مهرب... ثم عدت إلى أخي فرأيته ينظر إليّ باهتمام وقلق... ينتظر ردي...
مددت يدي وربت على كتفيه بعطف... وقلت والدماء تحتقن في وجهي: "لا تستعجل... تريث قليلا... ودعنا نلتقط بعض الأنفاس... أنا مرهق جدا..."
وما كان من أخي إلا أن أومأ تفهما وأغلق الحوار...
وفي المساء... على مائدة العشاء... والتي التففنا حولها نحن الثلاثة, أنا وشقيقي وابنة عمي... تحركت أيدينا بالملاعق, بينما أفواهنا صامتة عن الكلام... كان الوجوم مخيما على وجه رغد... الذي صار كتابا متقلب الحروف والرموز... يشغلني فكُ طلاسمه...
وفيما أنا أتناول حسائي البارد ببطء وأرسل النظرات إليها بين الفينة والأخرى,كانت هي محملقة في طبقها تتحاشى النظر باتجاهي...
أما سامر... فكان يتظاهر بالاهتمام بالمباراة التي تعرض على التلفاز والتي يشارك فيها نوّار...
"الحمد لله"
قالتها رغد ووقفت هامّة بالمغادرة... وأطباقها بالكاد لُمست...
قلت:
"إلى أين؟؟ لم تنهي عشاءك"
قالت دون أن تنظر إلي:
"اكتفيت"
فقلت:
"اجلسي يا رغد... وأتمّي عشاءك"
هنا نظرت إليّ... نظرة حزينة مؤلمة...فيها العتاب واللوم... والرجاء واليأس سوية...
همست:
"رغد..."

فإذا بها تطلق الكلام الذي كانت تكبته في صدرها منذ ساعات دفعة واحدة:
"كيف تفكر في العودة للخطر يا وليد؟؟ نحن ما كدنا نصدق أننا نجونا... ما كدنا نطمئن على سلامة بعضنا البعض... أتريد أن تعرض نفسك للهلاك من جديد؟؟"
ولم تعطني فرصة للإجابة بل قالت بصوت شديد الرجاء:
"أرجوك وليد... لا تذهب... أرجوك"
تأوهت وقلت:
"لا بد لي من الذهاب يا رغد... لا بد"
ورأيتها تعض على شفتها السفلى ثم تقول:
"يمكنك إحضارها إلى هنا... ونستقر عن الخطر والحرب"
تعني أروى...
قلت:
"صعب جدا... أروى لن يعجبها ذلك... ثم إن المنزل والمزرعة والمصنع... وكل شيء هناك..."
فأومأت برأسها اعتراضا فأضفت:
"إنهم لا يلاحقونني أنا... لا تخشي علي... صغيرتي"
فانفجرت قائلة:
"كيف لا أخشى عليك؟؟ لقد رأيت ما فعلوه بك بأم عينيّ... هل تريد أن تيتمني للمرة الثالثة بعد؟؟ أنت لا تعمل حسابا لي"
وانصرفت مسرعة إلى غرفتها...
انتظرت لحظة... في حيرة من أمري... ثم وقفت وقلت مخاطبا أخي:
"سأتحدث معها"
ولم يبد أخي أي ردة فعل...
لحقتُ بالصغيرة وحصلت على إذنها بدخول الغرفة... وما إن دخلت حتى وقعت عيناي على مجموعة من اللوحات إلى جانب بعضها البعض... عند الجدار المقابل للباب... صورة لوالدي وأخرى لوالدتي رحمهما الله... وصورة لي أنا... وأنا رافعٌ يدي... موضوعة على عمود الرسم...
لدى رؤية صورتي والديّ لم أتمالك نفسي... وسرتُ باتجاهها وحملقت فيهما وانتابني الأسى والمرارة...
خاطبتهما سرا... ألا تخرجان من اللوحتين... وتريان ما نحن فيه... وتحلان مشكلتنا؟؟ أنا وشقيقي نحب فتاة واحدة تعني لكلينا كل شيء وعلى أحدنا أن يُميت قلبه ليُحيي الآخر... أنا يا أمي ويا أبي... أفضّل اللحاق بكما على أن يمس شقيقي أي أذى... سامحاني لأنني كنت أنانيا جدا... لم أتفهم مشاعره ولم أقدّرها... حسبت أن رغد شيء يخصني أنا وأنه هو من سرقها مني...
والتفتُ نحو رغد والتي كانت مطأطئة بصرها بحزن نحو الأرض.. فخاطبتها في سري بلهفة... ألست شيئا يخصني أنا يا رغد؟؟ ألست فتاتي أنا؟؟ ألست لي؟؟ ألن تكوني لي؟؟ ألا يجب أن تكوني لي أنا؟؟
ربما أحست رغد بنظراتي المسلطة عليها أو استبطأت كلامي... أو حتى سمعت خطابي السري في نفسي... فإذا بها تلتفتُ إلي وترمقني بنظرة أرسلتني إلى عالم التيه والضياع...
ثم إذا بتعبيرات الرجاء الشديد بل التوسل تزحف إلى قسمات وجهها الحزين وتخرج من لسانها بقول:
"أرجوك وليد.. تخلّ عن الفكرة.. ودعنا نعيش هنا معا بسلام.. أنا تعبتُ من الحرب والتشرد واليتم والضياع والصراع.. ألا تفعل هذا من أجلي؟؟"
تفطر قلبي لكلامها ونزف كثيرا... إنك تطلبين المستحيل يا رغد...
اقتربت منها وقلت مغدقا عطفي وحناني ومتحججا بمسؤولياتي:
"يا رغد... يا صغيرتي العزيزة... ومن يتولى الأمور هناك في الوطن؟؟ لديّ مسؤوليات جدية وكبيرة في انتظاري"
فقالت:
"وأنا؟ ألست جزءا جديا من مسؤوليتك أنت؟؟ كيف تتركني وحدي وتذهب عني؟؟"
قلت:
"كيف تقولين وحدك؟؟ أتركك مع دانة وسامر"
فأجابت منفعلة:
"لكنك أنت الوصي علي... المسؤول عني شرعيا... ويفترض أن تبقيني معك وتبقى معي... أليس كذلك؟ أليس هذا من واجبك؟"
لم أجب مباشرة... ثم قلت:
"بلى... و... كذلك... أنا المسؤول عن أروى... ومن واجبي العودة إليها"
وكنت أتوقع أن يزعجها ذكر أروى... بل كنت أتعمد أن أذكرها حتى أستفيق أنا من حالة التيه في بحر رغد, وأعود إلى الواقع وأقطع الحبال المتشدقة بسفينة رغد... نعم كنت أتوقع أن تنزعج رغد من ذكر أروى –كعادتها- لكنني لم أتوقع أن تأتي ردة فعلها بهذا الشكل...
صرخت منفعلة منفلتة:
"إذن عُد إليها... هيا عُد... لا شك أنك متلهف لعينيها الزرقاوين وشعرها الحريري الأشقر... من يتنازل عن الحسناء الثرية؟؟ هنيئا لك بمن اخترت.. اذهب!"
وأشاحت بوجهها عني... وعندما ناديتها هتفت زاجرة:
"اذهب الآن"
وما كان مني إلا أن غادرت الغرفة.
عندما عدت إلى حيث كنا نتناول العشاء قبل قليل... لم أجد أخي هناك... بحثت عنه في غرفته وفي الجوار ولم أجده... ووجدت هاتفه موضوعا على سريره... سألت عنه دانة فأخبرتني أنها لم تره مذ كنا نتناول الكعك عصرا...
قضيت الساعتين التاليتين واقفا على أطراف أعصابي المشدودة... حتى إذا ما ظهر أخيرا... قادما من الخارج... قدمتُ نحوه وبادرت بالسؤال:
"إلى أين ذهبت؟؟"
ظهر الانزعاج من السؤال على وجه أخي وقال:
"عفوا؟؟"
فتراجعت وقلت مخففا سؤالي:
"أعني... في هذا الطقس البارد؟؟"
فرد سامر:
"تمشيت في الجوار..."
وبعد برهة صامتة قلت وأنا أهم بالانصراف:
"سأخلد للنوم"
استوقفني سامر بسؤاله:
"ماذا أحرزت مع رغد؟"
فشددت على قبضتي... ثم قلت:
"لا شيء..."
وتابعت:
"لا تقدر مسؤولياتي الأخرى... تتوقع مني أن... أتفرغ لرعايتها"
رأيت ابتسامة شبه ساخرة على زاوية فمه اليمنى... ثم حل الجد مكانها وإذا بأخي يقول:
"إنها... متعلقة بك"
تدفقت الدماء إلى وجهي... ورأيت أخي ينظر إلى عينيّ ينتظر تعليقا... فأبعد نظري عنه, ثم قلت:
"... أعرف..."
فقال:
"إذن..؟؟"
فالتفت إليه وقرأت في عينيه جدية واهتماما بالغين... ولم أعرف بم أقابلهما... فقال أخي وقد اصطبغ صوته بالانزعاج:
"لم لا ترد؟ لقد جئت بي من آخر العالم إلى هنا ووضعتها نصب عيني... أعدتني إلى ما كنت على وشك الخلاص منه... وها أنت تريد أن ترحل وتتركني في نفس الدوامة... فهلا حللت قضيتي مع رغد أولا؟؟"
تضاعف ضخ الدماء الحارة إلى وجهي... واشتعلت النار التي لا تكاد تهدأ في معدتي... وبدأ العرق يتصبب مني رغم برودة الجو...
قلت أخيرا:
"صبرا يا سامر... أعطنا فترة نقاهة مما حصل مؤخرا... رويدك"
ورأيت أخي يمد سبابته اليمنى نحو وجهي ويضيّق عينيه ويضغط على أسنانه وهو يقول مهددا:
"لا تتلاعب بي يا وليد"
فأفلتت أعصابي من سيطرتي وقلت حانقا:
"وماذا تريد مني أن أفعل الآن؟؟ أرغم الفتاة على العودة إليك؟؟ أليس لديك اعتبارا لمشاعرها هي وإرادتها ورغبتها هي؟؟"
فرد مباشرة:
"أنا أكثر منك معرفة... بمشاعرها هي.. وإرادتها هي.. ورغبتها هي.. وأنت.. أنت.. يجب عليك أن تتدخل لوضع حد لهذا.. يجب أن تُفهمها ما لا تريد هي أن تفهمه.. يجب أن تجعلها تستيقظ من أحلامها المستحيلة التي لا تسبب لها إلا الأذى وتتوقف عن هدر مشاعرها على الشخص الخطأ"
فوجئت بكلام أخي للحد الذي لزمني زمن طويل حتى أستفيق من طور المفاجأة... ولما استفقت, كان أخي قد انصرف...
ذهبت إلى غرفتي... وجلست على سريري... واستخرجت قصاصات صورة رغد من محفظتي المخبأة تحت الوسادة... وجمعتها... ونظرت إلى وجه رغد... وتأوهت...
هل آن الأوان... لأن ينتهي كل شيء يا رغد؟؟؟
هل يعقل... أنني سأضطر للتخلي عنك... بعد كل هذا؟؟
إنه يساومني على حياته يا رغد... هل سأضحي بك من أجله؟؟ هل سأفعل ذلك يا رغد؟؟ هل سأجرؤ؟؟
هل أنا أستطيع ذلك؟؟
وضممت الصورة إلى صدري وعصرتها بقبضتي وهتفت...:
"لا أستطيع... لا أستطيع..."
*********



يتبع انتضرو النهاية قريبا.......
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.aljamal-islami.com
فتاة مسلمة
******
avatar

عدد المساهمات : 337
تاريخ التسجيل : 08/02/2010
العمر : 27
الموقع : الجمال الاسلامى

مُساهمةموضوع: رد: رواية ستاخذك لعالم اخر و ستستحوذ على تفكيرك كله....   الإثنين مايو 03, 2010 1:41 pm

النظرة الأخيرة


تركني وليد في حالة يرثى لها بعد خبر عزمه العودة إلى الوطن... إلى حيث الحرب والاعتداء والخوف والهلاك... إلى حيث الشقراء.. تنتظره... أنا يا وليد مستعدة للقبول بأي شيء مهما كان مقابل أن تبقيني إلى جانبك وتحت رعايتك أنت...
وفيما أنا غارقة في أفكاري جاءتني دانة تتفقدني..
"كيف أنت؟ يقولون أنك مضربة عن الطعام!"
وكل ما حصل هو أنني لم أتم عشائي البارحة ولم أتناول فطوري هذا الصباح.
قلت:
"من يقول ذلك؟"
أجابت:
"وليد! فهو قلق من أن يداهمك الإغماء بسبب الجوع! وأرسلني لتفقدك"
دغدغتني العبارة, لإحساسي بأن وليد يهتم بي...
قلت:
"أين هو الآن؟"
أجابت:
"خرج مع نوّار قبل قليل... ذاهبين إلى مكتب الطيران"
فوجئت بالجملة وشهقت وقلت:
"تعنين لشراء تذكرة السفر؟؟"
فأومأت بنعم, فجُنّ جنوني وصرّحتُ منفعلة:
"لن يغير موقفه... إذن سأذهب معه.."
والتفت نحو الهاتف وأتممت:
"سأتصل به وأطلب منه شراء تذكرة لي أنا أيضا"
وخطوت خطوتين نحو الهاتف حين استوقفتني دانة مادة يدها وممسكة بذراعي...
التفتُ إليها فوجدت الجد والحزم ينبعان من عينيها, ثم قالت:
"انتظري يا رغد... هل تظنين بأنه سيأخذك معه حقا؟"
اكفهرت ملامح وجهي وقلت مصرة:
"طبعا سيأخذني معه... أليس الوصي علي؟ ألست تحت عهدته؟"
فقالت بنبرة جادة:
"لقد... تنازل عن الوصاية لسامر"
حملقت فيها غير مستوعبة الجملة الأخيرة... فسألت:
"عفوا... ماذا قلت؟؟"
فقالت:
"كما سمعت... رغد"
فررت برأسي يُمنة ويسرة... كأنني أنفضه مما توهمت أذناي سماعه.. ثم هتفت:
"تكذبين!"
فنظرت إلي دانة متأثرة بتعبيرات الذهول الطارئة على وجهي ومن ثم تحولت جديتها إلى شفقة وأسى... وقالت:
"أخبرني بذلك بنفسه قبل قليل... قال أنه وكّل المحامي أبا سيف لإنجاز الإجراءات الرسمية أثناء مكوثه في المستشفى خلال الفترة الماضية"
رفعت يدي إلى صدري محاولة السيطرة على الطوفان الهمجي المتدفق من قلبي أثر الصدمة... وهززت رأسي غير مصدقة أن وليد قد فعلها... مستحيل... مستحيل..
"مستحيل"
أطلقت الصيحة وتابعت خطاي نحو الهاتف أريد الاتصال به والتأكد من الخبر على لسانه, غير أن دانة سحبت سماعة الهاتف من يدي وأجبرتني على النظر إليها والسماع إلى ما أرادت قوله..
"رغد! ماذا ستفعلين؟ هل ستطلبين منه إعادتك إلى كفالته؟ لا تعصبي الأمور يا رغد ودعيه يتصرف التصرف السليم والأنسب لظروفنا"
فهتفت منفعلة:
"الأنسب لظروف من؟ أنا لا ذنب لي في أن سامر يهدده الخطر إن عاد إلى الوطن. لا أريد البقاء هنا.. أريد العودة مع وليد والبقاء معه"
فسألت دانة منفعلة:
"إلى متى؟؟"
فقلت:
"إلى الأبد"
فإذا بدانة تمسك بيدي وتشد عليها وتقول:
"وليد لا يريدك أن تذهبي معه.. لم لا تفهمين ذلك؟ سيعود إلى خطيبته وربما يتزوجان قريبا.. لقد أعادك إلى سامر لتبقي مع سامر.. إنه أكثر شخص يحتاجك ويحبك يا رغد... إنه يمر بأزمة حرجة... لماذا لا تفكرين به؟"
سحبت يدي من بين أصابعها وابتعدت عنها وأنا أهتف بانهيار:
"أنا لا أريد العودة إلى سامر... لا تفعلوا هذا بي... لا تعيدوا الكرة... سأذهب مع وليد..."

************

كان لابد من حسم الأمور وبشكل نهائي حتى يحدد كل منا موقعه. كنت أفكر في الطريقة التي سأخاطب بها وليد هذا اليوم... وأطلب منه وضع النقط على الحروف وختم الصفحة.
كان الوقت ضحى وكنت جالسا في غرفتي أهيئ نفسي للمواجهة المرتقبة فأتتني شقيقتي دانة.
"صباح الخير سامر! ألم تنهض بعد؟؟"
"صباح الخير"
"تأخرت! رفعت أطباق الفطور"
سألتُ مباشرة:
"هل استيقظ وليد؟"
أجابت:
"نعم... وهو مع نوّار في مكتب الطيران الآن"
اضطربت تعبيرات وجهي وشردت بعيدا... ولما لاحظت دانة سألتني عما ألمّ بي, فما كان مني إلا أن أطلعتها على ما يدور في رأسي منذ الأمس... منذ أن أعلن وليد عن عزمه على العودة إلى الوطن... أخبرتها وبكل صراحة بأنني في حال رحيل أخي فسوف لن أتمكن من العيش مع رغد في مكان واحد وتولّي المسؤولية عليها, إلا إذا عاد رباطنا الزوجي الشرعي إلى سابق عهده... وإلا... فإن عليه اصطحابها معه وتخليصي من هذه الدوامة الفارغة. كنت صريحا جدا فقد اكتفيت من الهراء... ولن أستمر في لعب هذا الدور الأحمق...
"فإما أن يأخذها معه للأبد... أو يتركها معي وللأبد"
قلت ذلك منفعلا... ثم نظرت إلى دانة فرأيت على وجهها الأسى والقلق.. وكأنها تفكر في أمر ما..
"ما الأمر؟"
سألتها قلقا, فأجابت:
"آه... لقد... كنت مع رغد قبل قليل"
ففهمت أن لديها ما تقوله... فقلت:
"ماذا قالت؟؟"
فأجابت مترددة:
"تركتها تعد حقيبتها... مصرة على العودة إلى الوطن... مع وليد"
عن نفسي كنت أتوقع هذا... لم يفاجئني موقف رغد... لكنني أريد أن أحسم الوضع نهائيا مع وليد...
"إذن... سأطلب من وليد شراء تذكرة لها وأخذها معه, وننتهي"
وضربت الحائط من غيظي... وصحت:
"إنها لا تريده إلا هو... فليأخذها معه ويريحنا... أنا تعبت من هذا..."
كنت مجروحا من إصرار رغد على موقفها... ولا مبالاتها بي...
قالت دانة:
"لا تنفعل... دعه يعود... وسأتحدث أنا معه أنا أولا... لقد نقل الوصاية إليك كما أخبرني.. لن يأخذها معه.. سيقنعها بالبقاء معنا"
فقلت:
"وما الجدوى إن كانت ستبقى معنا وبالها معلق معه؟ ألم تري حالتها قبل حضوره؟ لا أريد أن يوليني المسؤولية على فتاة شبه حية... فليأخذها وليخلصني من هذا العذاب"
مدت دانة يدها وربتت على كتفي وقالت:
"هون عليك يا أخي"
فقلت منفعلا:
"أنا تعبت.. لقد كنت على وشك وضع نهاية لكل هذا.. هو من اعترض طريقي وجلبني إلى هنا.. هل سيتحمل هو عذاباتي؟"
صمتنا برهة.. ثم إذا بدانة تسأل:
"هل.. يعرف هو أنها..."
فأجبت مقاطعا:
"طبعا يعرف... وعليه هو أن يواجهها بحزم ويوقظها مما هي فيه.. إلى متى سيتركها تتعلق به وتجري متخبطة خلفه.. بينما هو متزوج ومشغول بزوجته؟"
قالت دانة متسائلة:
"هل... يحبها؟؟"
فاستغربت السؤال الدخيل وقلت:
"وما أدراني..؟!.. المهم أنه متزوج ومشغول بزوجته.. وليس شاغرا من أجل مشاعر رغد.."
قالت دانة موضحة:
"أعني... ماذا عن مشاعره هو؟؟"
فنظرت إليها باستغراب... وقلت مستفهما:
"مشاعره هو؟؟"
ورأيت نظرة ارتياب غريبة على عينيها أوحت إلي بأنها تلمح إلى شيء... فسألتها:
"ماذا تعنين بمشاعره هو؟؟"
فقالت مترددة:
"أعني... بما يشعر هو... نحو رغد"
فحملقت فيها تجتاحني الحيرة والدهشة... وقابلتني بنظرة جدية وكأنها تعتزم قول شيء مهم... وأخيرا قالت:
"سامر... سأخبرك بما قالته لي أمي رحمها الله... عندما زرتها بعد ليلة زفافي..."
أثار كلامها اهتمامي الشديد وسألتها بفضول:
"ماذا... قالت...؟؟"
فأجابت بنبرة جدية جعلتني أصغي بكل اهتمام وتركيز:
"عندما أخبرتها... عن قرار رغد المفاجئ بالانفصال عنك... وعن حالتها المتقلبة الغريبة تلك... بعيد سفر والديّ للحج... وعن بعض التفاصيل التي حصلت... قالت أن ذلك ما كانت تخشاه... وأنها... كانت قد لاحظت تغيّرات على رغد... بعد عودة وليد"
صمتت أختي لترى مدى تأثير الكلام علي حتى الآن... فحثثتها على المتابعة بلهفة:
"وبعد؟؟"
فتابعت:
"أنا بالفعل... لاحظت عليها تغيرات مزاجية كثيرة في تلك الفترة... لكنني لم أتوقع للحظة أن يكون السبب... هو وليد"
نعم وليد! وليد الذي ظهر فجأة... واستحوذ على قلب رغد... وأبعدها عني...
واسترسلت:
"كما لم أكن أبدا لأتوقع... أن..."
وصمتت مترددة وكأنها تخشى قول الجملة التالية. شجعتها وقلت:
"ماذا؟؟ أكملي؟؟"
قالت:
"لما أخبرتها عن ارتباط وليد المفاجئ بالفتاة بالمزرعة... حزنت وتألمت كثيرا... وأخبرتني أن وليد... كان أيضا يحب رغد كثيرا في صغره... كلنا نعرف ذلك... لكن... ما لم نكن نعرفه... هو أنه... حسب كلامها وحسبما تيقنت هي منه... أنه... حتى بعد عودته من السفر.. أعني من السجن.. كان لا يزال يحبها.. ويحلم بها.. وقد صُدم بزواجكما..."
حملقت في دانة بذهول... غير قادر على استيعاب ما تقول... بقيت مطرقا رأسي مذهول العقل منفغر الفاه... ثم نطقت مندهشا:
"مـــ... مـــ... ماذا تقولين؟؟!!"
فأجابت والمزيد من القلق يظهر على وجهها:
"ربما لم يكن يجدر بي قول هذا ولكن.."


ولم تتم...
فنظرت إليها بتشتت... واتسعت حدقتاي بدهشة بالغة... وقفزت إلى ذاكرتي فجأة كلمات أم حسام لي ذلك اليوم...
فإذا بلساني ينطق دون وعي مني:
"هذا... مـــ.... مستحيل!"
وإذا بدانة تقول:
"هذا ما قالته أمي... إنه كان لا يزال يحبها... وأنها وجدت صورة قديمة لرغد عنده ذات مرة"

************

كنت في الصباح.. قد ذهبت مع نوّار إلى مكتب الطيران واشتريت تذكرة سفر وأكدت رحلتي... والتي ستكون مباشرة إلى شمال الوطن.
حاولت الاتصال بالمزرعة وبهاتف أروى دون جدوى. لكنني اتصلت بالسيد أسامة واعتذرت له عن اختفائي المفاجئ وذكرت له أنني سأعود قريبا. كما اتصلت بسيف وطمأنته على أخباري...
وبعد عودتي للمنزل وفيما أنا أعبر الممر المؤدي إلى غرفة نومي رأيت سامر يقف في منتصف الطريق...
كان جليا عليه أنه واقف ينتظرني لأمر مهم... وأنا أعرف ما هو الأمر...
"مرحبا سامر... متى استيقظت؟؟"
سألته بمرونة فرد باقتضاب مباشرة:
"أريد أن أتحدث معك"
كان يبدو منفعلا... التوتر يخط تجاعيد متشابكة على قسمات وجهه...
قلت وأنا أسبقه إلى الغرفة وأفتح الباب:
"تفضل"
دخلنا الغرفة وتركنا الباب مفتوحا... دعوت أخي للجلوس لكنه وقف قرب الباب مستعجلا على الحديث فوقفت أمامه وسألت:
"خير؟؟"
نظر إلي سامر بنظر تمزج الحزن واللهفة... والغضب والقهر... ثم قال:
"وليد... سأسلك سؤالا... وأرجوك... أرجوك... أن تجيب عليه بمنتى الصراحة"
نبرته أصابتني بالقلق... فقلت:
"ماذا هناك؟؟"
فركز سامر نظرة إلي وقال:
"أجبني بكل صراحة يا وليد"
فقلت وقد تضخم قلقي من جدية نظرته:
"اسأل؟؟ لقد أقلقتني"
فإذا بسامر يزم شفتيه ثم ينبس قائلا:
"كيف تشعر... نحو رغد؟؟"
فاجأني السؤال... أذهلني... عصف بقدرتي على الاستيعاب... أو ربما لم أسمع جيدا... ماذا سأل أخي؟؟
قلت:
"عفوا؟؟"
فقال أخي وقد زاد توتره واحتدت نبرته:
"أقول كيف تشعر نحو رغد؟؟"
وكان يحملق بي بشدة راصدا كل انفعالات وجهي وتغيرات لونه... تكاد نظراته تسلخ جلدي لتقرأ ما هو أعمق منه... وفجأة إذا به يقول:
"أحقا... كنت... تحبها؟؟"
ولم أشعر إلا بالدماء تفور في وجهي فجأة... وتصبغه بلون شديد الاحمرار... حتى أنني خشيت أن تتصبب قطرات الدم من جبيني مصحوبة بزخات العرق...
لساني ألجمته المفاجأة... وعيناي قيدتهما عينا أخي وهما تتربصان بردي... كان أخي يكاد يلتهمني بنظراته ورأيته يعضض على شفته السفلى توترا... ويكاد يصرخ منفعلا...
عصرت لساني حتى خرجت الكلمات التالية منه عنوة:
"ما... ماذا تعني يا سامر! ما هذا السؤال؟؟"
وما كان من أخي إلا أن ركل الباب الذي نقف قربه بعنف وكرر سؤاله بعصبية:
"فهمتني يا وليد... وسؤالي واضح جدا... قل لي هل فعلا كنت تحب رغد؟؟ هل أنت تحبها الآن؟؟ أخبرني قبل أن أجن.."
وللحالة الرهيبة التي اعترت أخي... خشيت أن يحصل أي شيء... فقلت محاولا كبت مشاعري والتظاهر بالمرح:
"نعم أحبها!"
فرمقني أخي بنظرة حادة قاطعتها بقولي:
"أحبها مثل ابنتي تماما! أنا من تولى تربيتها مع والدينا"
محاولا أن يظهر ردي مرحا ومقنعا قدر الإمكان... أخي... نظر إلي بارتياب... ثم قال:
"هل هذا كل شيء؟؟ أجبني بصراحة"
فتظاهرت بالابتسام وقلت:
"طبعا هذا كل شيء!! سامر.. ما بالك تطرح سؤالا مضحكا كهذا!؟"
فأخذ يحدق بي... ثم يشتت أنظاره حولي... ثم يقول:
"لكن... دانة تقول... أن أمي أخبرتها قبل وفاتها... أنك... كنت تحب رغد منذ الصغر.. وتتمنى الزواج بها"
فكرت بسرعة... بسرعة... في تعبير يطمس الحقيقة في الحال... ولم أجد إلا الضحك... أخفي خلفه الألم المرير...
أطلقت ضحكة قوية... بل كانت قهقهة مجلجلة... ربما وصلت إلى أعماق الذكريات النائمة في قلبي وأيقظتها...
ضحكت وأنا أواري الدموع خلف طبقات من المشاعر الزائفة...
ولما انتهيت من نوبة الضحك المفتعلة قلت بسخرية مفتعلة:
"أضحكتني يا سامر! ماذا دهاك!؟ أنا أفكر في رغد هكذا!؟ هل سمعت عن أب يتمنى الزواج من ابنته!! أي سخافة هذه!!"
وقهقهت من جديد... لأنفض عن أخي أي غبار متبقٍ من الحقيقة... حتى أنني من شدة ضحكي بللت رموشي...
نظرت إلى أخي مفتعلا المرح... فرأيت الارتياب يتسرب خارجا من عينيه ويتسلل الارتياح إليهما... يبدو أنني أديت دوري بمهارة... وأقنعته بما قلت... أحسنت يا وليد!
كيف أطاعك لسانك على ذلك!؟!؟!
نظر أخي إلى الأرض, ثم إلي... وقال:
"هل هذه هي الحقيقة البحتة؟؟"
فقلت مباشرة مؤكدا:
"بربك يا سامر! لقد ساهمت في تربيتها وتربية دانة... ألا تذكر؟؟ كلاهما مثل ابنتيّ تماما"
ظهرت الحيرة والتردد على وجه أخي... ثم قال مستسلما:
"آسف... دانة أربكتني"
وسكت برهة ثم أضاف:
"أنا أيضا بدا كلامها لي غير معقول... لا بد وأنه كان سوء فهم"
وعاد يكرر:
"آسف وليد"
فابتسمت وقلت:
"لا عليك"
لا عليك! فأنا معتاد على تلقي طعنات من شتى الأنواع والمصادر... إلى قلبي... أصبحت لديه مناعة ضد الخناجر... لا عليك!
صمتنا قليلا ثم إذا به يقول:
"الآن... يجب أن تتحدث إليها بشكل حاسم... وتُفهمها بأنك تحبها وتقدم لها الرعاية والنصيحة كأب... وأن تقنعها بأن بقاءها هنا... معي ومع دانة... هو خير لها من العودة معك.. فهي تحزم أمتعتها للحاق بك"
شددت على قبضتي... وقلت:
"أحقا؟؟ ومن قال لها أنني سآخذها معي أصلا؟؟"
فقال أخي:
"هي تفكر هكذا... تريد أن تلحق بك أينما ذهبت"
ابتلعت المرارة في حلقي وقلت:
"أنا لم أعد وصيا عليها.. إنها تحت مسؤوليتك أنت الآن"
فقال راجيا:
"أرجوك.. أفهما هذا.. أخبرها بأن تتوقف عن عنادها وصدها لي.. إنها ليست بحاجة لمن يؤكد لها مقدار حبي لها.. أنا سأضعها في عينيّ.. قل لها ذلك يا وليد أرجوك"
كنت أشد على قبضتي.. أكاد أقطع أوتار يدي بأظافري لشدة ما ضغطت...
حاضر يا سامر.. سأفعل ما تطلبه.. أرجوك أنت... يكفي هذا... انصرف الآن...
قلت بصوت لم يخرج من حنجرتي:
"حاضر... سأفعل..."
ثم جذبت نفسا طويلا أجدد به الهواء المخنوق في صدري وأضفت بنبرة راجية:
"سأتحدث معها.. لكن... سامر.. أرجوك أنت... دعها تأخذ وقتها مهما طال.. في التأقلم مع الوضع الجديد.. لا تستعجلها ولا تلح عليها.. خصوصا الآن.."
فنظر سامر إلي نظرة عميقة وأومأ بالموفقة...
خرجت بعدها من غرفتي راغبا في الابتعاد عن أنظار وكلام سامر متظاهرا بعزمي الذهاب إلى رغد والتحدث معها... بينما كنت في الحقيقة أفتش عن صحراء شاسعة أطلق فيها صرخاتي أو جبال شامخة أدكها بقبضتي... وللمفاجأة... لأسخف مفاجأة في أسوأ توقيت... رأيتها هي رغد ذاتها... تقف في الخارج على مقربة...
"رغد!!.."
رمقتني بنظرة مخيفة... ورأيت وجهها يكفهر ويصفر... ورأسها يفتر يمينا وشمالا... ثم إذا بها تولي هاربة إلى الجناح الآخر....

***********

كنت ذاهبة لأتحدث معه وأطلب منه بل أتوسل إليه... أن يصطحبني معه إلى الوطن... كنت سأبوح له بمشاعري... ورغبتي في البقاء معه هو... أينما كان.. لم أكن لآبه بالشقراء... لن يهمني وجودها ما دمت مع وليد... لن أكترث للخطر... لن أكترث للحرب... لن أكترث للرعب... كنت مستعدة للتنازل عن أي شيء... والرضا بأي شيء... وفعل أي شيء... مقابل أن أظل برفقة وليد... أنعم برعايته وأحظى برؤيته... وأستسقي من فيض حنانه وعطفه اللذين لطالما غمرني بهما منذ الطفولة...
ولما اقتربت من غرفته... سمعته يتحدث ويضحك... كان الباب مفتوحا... وكان في الداخل يتكلم مع شخص ما... توقفت وهممت بالانصراف... فإذا بي أسمع صوته يقول:
("أضحكتني يا سامر! ماذا دهاك!؟ أنا أفكر في رغد هكذا!؟ هل سمعت عن أب يتمنى الزواج من ابنته!! أي سخافة هذه!!")
كان يسخر من مشاعري... ويستخف بحبي...
سمعته يضحك... ويذكر اسمي... ويقول بأنني كابنته تماما...
وليد قلبي... يسخر مني...!
بعد كل ذلك الحب الكبير... المشاعر الصادقة الخالصة.. التي أكننتها له كل ذلك الوقت.. بعد كل أحلامي وآمالي المتعلقة به هو.. هو وهو فقط... ألقاع يضحك ساخرا مني!
أنا يا وليد تفعل هذا بي...؟؟؟
أحسست بإهانة كبيرة... وحرج شديد غائر... وخذلان هائل... من أقرب وأحب الناس إلي...
جرحني ما سمعت الجرح الأكبر والأعمق والأشد عنفا وإيلاما في حياتي...
لم أستطع بعد سماع ذلك مقاومة فضولي... وبقيت أنصت إلى ضحكات وليد قلبي... الساخرة مني... وقلبي ينصفع... ويتزلزل... وينهار... والدهشة تسلبني المقدرة على الانسحاب...
كم كنت ملهوفة عليه... لكن... بعد موقفه الساخر مني... وبعد تنازله عني بهذه البساطة وكأنني قطعة أثاث بالية... لم أعد أرغب في رؤية وجهه... وسوف لن أتحدث معه ثانية... ولن أسمح له بالدخول مهما طرق...
لن أذهب معه... لن أودعه... لن أكترث به... ولن أفكر فيه بعد الآن...
لن أسامحك يا وليد... أبدا... أبدا...

أخيرا توقف الطرق... انصرف وليد... ولم أعد أشعر بوجوده خلف الباب... أشحت بوجهي إلى الناحية الأخرى...
لمحت اللوحة التي قضيت الساعات الطويلة... في الأيام الماضية... أُودِعُها كل طاقاتي ومواهبي لأرسمها مطابقة للواقع... لوجه وليد... حبيبي وليد... وهو ينظر إلي ويلوح بيده...
لم أطق رؤيتها والنظر إلى عينيه... ضحكاته لا تزال ترن في رأسي... قمت إلى اللوحة... ولطختها باللون الأسود... حتى جعلتها قطعة من الليل الذي لا ينتهي... وأوقعتها أرضا...
وبعثرت كل اللوحات التي رسمتها لوليد ولأبي ولأمي... ورميت بالصور الفوتوغرافية بعيدا وصفعت لوح الألوان بالجدار... ثم ارتميت على سريري أخلط بكائي بسعالي... وأنفاسي بآهاتي... وكلماتي بصرخاتي...
أنا... من اليوم فصاعدا...
"أكرهك يا وليد!"

**********

لما يئست من فتحها الباب, ابتعدت عن غرفة رغد وفتشت عن دانة. وصلت إليها عبر الهاتف المحمول, كانت في جناحها الخاص فطلبت أن نتقابل بمنأى عن الآخرين فدعتني إلى غرفة خاصة في جناحها.
كنت مشوشا إثر ما قاله أخي أولا... ثم هروب رغد مني وتلك النظرة القاتلة التي رمتني بها ثانيا...
أحسّت شقيقتي باضطرابي فسألتني مباشرة:
"هل تحدث سامر معك؟"
مما جعلني أيقن أنها تدرك ما جئت لأجله, فاختصرتُ الطريق وقلت مباشرة:
"ما ذلك الجنون الذي قلته لسامر يا دانة؟؟"
دانة نظرت إلي مطولا ولم تبادر بالإجابة.. لكنها فهمت ما أعنيه, فقلت بصوت جاد:
"اسمعيني يا دانة... ما كان يجدر بك نقل كلام كهذا إلى سامر... إنه يمر بظروف نفسية صعبة... أنت لا تعرفين شيئا عن الصعوبات التي واجهتها من أجل ترحيله عن الوطن... ليست لديك أدنى فكرة عن الأمور الفظيعة التي اضطررت للقيام بها كي أنقذه"
أخذت دانة تصغي إلي بجل الاهتمام, فتابعت:
"لا أريد أن يضيع كل هذا هباء... أنا لا تهمني تلك الأمور... إنما يهمني سلامة أخي وأمانه... ولست مستعدا لفقده... أو خوض مغامرة مشابهة... تتعرض حياته فيها للخطر... هل تفهمين؟"
وبدا عليها الارتياب والحيرة فقلت بتفصيل أدق:
"سامر ارتكب حماقة كبيرة بانضمامه إلى المنظمة المشاغبة في الوطن.. كان قاب قوسين أو أدنى من الهلاك الحتمي... لو يعود للوطن وتطاله أيدي السلطات أو الأيدي الخفية للمنظمة.. فسيعدم فورا... أنا أريده أن يستقر هنا معك... وينسى الماضي... ويبدأ حياته من جديد"
فتفوهت دانة أخيرا بين سؤال وإقرار:
"ومع رغد؟!"
عضضت على أسناني وشددت قبضتي... ثم قلت:
"إنه لن يجرؤ.. على المجازفة بحياته.. وهي تحت مسؤوليته.. سيحافظ على نفسه جيدا.. كي يحافظ عليها"
فنظرت إلي دانة نظرة مريرة ثم قالت:
"لكنها.. أعدت حقيبتها.. للسفر معك أنت"
أطلت النظر في عينيها ثم قلت:
"لن آخذها معي... مهما حاولت هذا أمر مفروغ منه"
ثم وقفت وقلت:
"أريدك أن تأتي معي الآن وتخبريها بأنني أرغب في حديث مهم معها"
فوقفت وهي تقول:
" وسامر؟؟"
فقلت محذرا:
"سامر اتركيه وشأنه.. ولا تحشي رأسه بأشياء خطيرة كهذه... من شأنها أن تعيدنا إلى الصفر"
واستدرت لأنصرف فإذا بي أسمعها تقول:
"إذن ما أخبرتني به أمي صحيح؟؟"
تسمرت في مكاني برهة.. ثم قلت:
"لا أعرف بماذا أخبرتك بالضبط ولا يهمني أن أعرف. فقط احتفظي بكلامها بعيدا عن سامر تماما"
وإذا بي أحس بشيء يمسك بذراعي.. ثم إذا بدانة تظهر أمام مرآي وتحدق في عيني بحرارة وتقول:
"أخبرني أنا... أعدك ألا أطلع سامر على شيء.. أدركت فداحة خطئي بإخباره.. هل حقا كنت تحب رغد وترغب في الزواج منها منذ صغرك؟؟"
تملكني الحنق من طرح السؤال الأشد إيلاما في حياتي.. وإجبار لساني على خيانة قلبي.. فقلت غاضبا:
"سخافة.. أحذرك... إياك أن تكرري قول شيء كهذا على مسامع سامر أو رغد.."
حملقت دانة بي كأنها تحاول قراءة ما يدور بخلدي... عيناها كانتا شبيهتين يعيني أمي... ما جعلني أشعر بحنين شديد إلى الغالية الفقيدة... خصوصا هذه اللحظة... وأنا أكتشف أنها كانت تفهمني وتفهم حقيقة مشاعري... في الوقت الذي كنت أشعر فيه... بأن الدنيا كلها قد تخلت عني.. ولم يعد أحد يكترث لي...
"وليد.. لماذا أنت غامض؟ لماذا لا أستطيع فهمك.. لماذا لا تصارحني.. مثل سامر؟ أنت أخي أيضا.. وأحبك كما أحبه.. وأتمنى أن تبقى معنا.. وأن تعيش سعيدا ومرتاحا"
لمست عطفا وحنانا فائقين في كلمات شقيقتي... مشاعر صادقة دافئة... لطالما استمت لأحظى بمثلها منذ سنين.. لم أجد من يمدني بعوض عنها غير أروى.. التي تجمدت علاقتي بها منذ زمن... مذ عرفت أنني قتلت عمار..
مددت يدي وشددت على يدي شقيقتي ممتنا... على لحظة العطف هذه.. وقلت:
"سعادتي وراحتي.. في أن تكونوا أنتم الثلاثة... بخير وفي أمان"
وعبثا حاولت دانة إقناع رغد بالسماح لي بالحديث معها... وانتهى ذلك اليوم.. واليومين التاليين, ورغد منزوية على نفسها في غرفتها... ترفض مقابلتي نهائيا...
وحل يوم الرحيل...
أنا الآن... أعد حقيبة سفري الصغيرة, التي جلبتها معي من الوطن... موشكا على المغادرة...
سأرحل.. وأترك عائلتي هنا.. قلبي هنا.. كل المشاعر.. وبقايا الأحلام المستحيلة.. سأحمل جروحي بعيدا.. إلى مكان أبرد من الثلج.. وأدفنها تحت الجليد..
أخيرا... آن الأوان.. لكلمة الوداع..
أخيرا... يا وليد...
كل لعبة قدر.. وأنت بخير!
فيما أنا أدخل يدي فيجوف الحقيبة, أمسكت بشيء ما... كان يتربع في قعرها.. شيء ذهلت حالما استخرجته ورأيته أمام عيني...
أتعرفون ما كان؟؟
صندوق أماني رغد!!!
يا للمفاجأة!!
أخذت أقلب في الصندوق محاولا التأكد منه.. إنه هو... وهل أتوه عنه!؟
ضحكت في نفسي!... بل أطلقت ضحكات لا أضمن لكم أنها لم تصل إلى مسامع أحد...
يا للمسكين! كيف لا يزال هذا الصندوق حيا...؟! هل لحق بي كل هذه المسافة... من شرق الأرض إلى غربها..؟؟ هل حملته معي دون أن أنتبه؟؟ أما زال هذا الصندوق مصرا على تذكيري بالأماني الخرافية الوهمية المستحيلة... التي حلمت بها ذات يوم؟؟
لقد عرفت...
شاءت الأقدار أن أجلبك معي... ولو بدون قصد... حتى أعيدك لصاحبتك.. قبل الوداع... الذي لن يكون هناك لقاء بعده..
أبدا.. لن تتحمل هذه المضخة التي تنبض في صدري منذ تخلقي في رحم أمي... أن تستمر في العمل لحظة واحدة... بعد أن تختفي رغد والأمل الواهم الذي تعلقت به منذ صغري... بأن تصبح لي...
أبقيت الصندوق بين يدي... أمام عيني... وأخذت أسترجع شريط الذكريات القديمة.. عندما جاءت طفلة صغيرة تحمل كتابها المدرسي وتطلب مني أن أصنع لها صندوقا مماثلا لذلك المصور في الكتاب.. ثم إذا بتلك الطفلة... تكتب أمنيتها الأولى... وتدسها بكتمان... في جوف الصندوق..
أنا مستعد.. لأن تستل روحي بعد دقيقة وأنتقل إلى العالم الآخر فورا.. مقابل أن تظهر الطفلة أمامي مجددا... لدقيقة واحدة.. واحدة فقط... أضمها إلى صدري... وأمسح على شعرها الحريري... وأقبل جبينها الناعم...
يا حبيبتي... يا رغد
دقيقة واحدة فقط...
الشوق المنجرف إليها جعلني أستخرج قصاصات صورتها القديمة.. وألملمها على سريري.. وأحدق فيها.. كدت أغرق في الوقت الضائع.. في الوقت الذي يجب فيه أن أستفيق.. أن أثبت أحسم الأمر... أن أتماسك لئلا أغرق السفينة بانهياري..
وداعا.. يا رغد..
لم أشعر إلا وأصابعي تطبق على القصاصات... تضمها إلى صدري قصاصة قصاصة.. ثم تطويها... وتدفنها داخل الصندوق..هناك.. حيث مقبرة الأماني الميتة.. التي لن تعود للحياة... ولم أعِ.. إلا وصورة رغد.. الصورة التي نامت تحت وسائدي أو فوق صدري... لتسع أو عشر سنين.. مئات الليالي وآلاف الساعات... قد اختفت من أمامي.. نهائيا..
وحانت لحظة المواجهة الأخيرة...
كنت سأذهب إلى المطار مع نوّار بعد قليل... وكان سامر و دانة سيرافقاننا.. أما رغد.. حبيبتي رغد.. ودعوني أقول حبيبتي قدر ما أشاء.. لأنني لن ألفظها بلساني يوما.. ولن أقولها في سري بعد هذا اليوم...
أقول أن حبيبتي رغد قد رفضت حتى أن تخرج من غرفتها لحظة.. لتودعني..
كانت آخر مرة رأيتها فيها صباح ذلك اليوم... عندما صادفتها قرب غرفتي... تنظر إلي النظرة الصفراء.. وتولي هاربة.. أظنها كانت قادمة إلي تريد التحدث معي وأظنها سمعتني أتحدث إلى سامر وأوصيه بها.. فتراجعت.. ثم رفضت أن تقابلني..
لم أستطع الخروج دون أن ألقي النظرة الأخيرة... لا يمكنني ذلك.. إنني لن أراها ولن أرى حتى صورتها بعد الآن... دعوني أقابلها ولو للحظة... للحظة ختامية.. نهائية...
لا أصعب من هذه الكلمة... لا أصعب من هذه اللحظة... لا أصعب من أن تحاول وصف ما لا يمكن وصفه... بأي شكل...
طلبت من شقيقيّ انتظاري في الصالة... وحملت صندوق الأماني وذهبت إلى غرفة رغد... طرقت الباب وسألتها الإذن بالدخول فلم تأذن لي... رجوتها وألححت عليها مرارا... حتى أني... أقسمت عليها وسألتها بالله أن تسمح لي بحديث أخير... وما كادت تسمح...
وأخيرا.. فتحت الباب...
كانت تجلس على سريرها مولية ظهرها إلي... لم تلتفت نحوي لتمنحني نظرة الوداع...
ناديتها فلم ترد علي... فتوغلت داخل الغرفة مقتربا منها أكثر...
عند ذلك انتبهت للوحات المصفوفة على الجدار... صورة أمي... صورة أبي... وصورة تخفي معالمها تحت سحابة من السواد... لم يكن من الصعب أن أعرف أنها صورتي أنا...
نظرت إلى رغد ولم أعرف ما أقول.. من أين أبدأ... وكيف أتكلم...
لطالما كانت رغد تعبر عن مشاعرها بالرسم.. أما أنا فبأي شيء سأعبر عن مشاعري الآن يا رغد..؟؟
أخيرا استجمعت شجاعتي وقلت:
"هل هذا السواد.. ما يحمله قلبك نحوي يا رغد؟؟"
لم ترد..
قلت:
"لا أريدك أن تكرهيني يا رغد.. صدقيني.. أما مضطر جدا.. لفعل هذا"
لم تتجاوب..

اقتربت منها أكثر وسألت:
"ألا تصدقينني يا رغد؟؟"
وأيضا لم تتجاوب... شعرت بالألم الشديد لتجاهلها لي.. في آخر اللحظات التي تجمعنا.. على الإطلاق..
انصهر صوتي وأنا أقول بخيبة شديدة:
"ألن تودعيني يا رغد؟؟.. سأذهب الآن... وقد... لا نلتقي ثانية..."
عندئذ... سمعت آهة تصدر من حنجرتها بمرارة... تلاها سعال مكبوت... ثم شهقات وزفرات شجية... كانت صغيرتي تبكي... وتخفي عني وجهها ودموعها... وكأنها لا تعلم بأنني أحس بها تقطر من قلبي قبل أن تسيل على خديها...
قلت متألما...:
"رغد... صغيرتي... يتمنى المرء منا أشياء كثيرة ولكن... ظروف الحياة لا تسمح بتحقيق كل أمانينا..."
وراقبتها فلم أر منها أي تفاعل...
واصلت:
"أنا... حاولت بكل جهودي... أن أوفر لك أفضل حياة.. أردت أن.. تكوني سعيدة ومرتاحة.. ومطمئنة إلى حاضرك ومستقبلك.. حاولت أن أكون.. وصيا وأبا جيدا.. لم أبخل عليك بشيء وإن كنت قد فعلت.. فأرجوك أن تسامحيني.."
فأطلقت رغد آهة بكاء قوية تذوب لها الحجارة... كيف لي أن أتحمل..؟؟
كانت لا تزال موشحة بوجهها عني.. مصرة على حرماني من النظرة الأخيرة..
توسلت إليها:
"رغد... انظري إلي"
لكنها لم تفعل...
"انظري إلي أرجوك"
لم تستجب, بل على العكس... رفعت كفيها وأخفت وجهها خلفهما.. لم يعد لدي أمل في أن أراها... تنهدت ورجعت خطوة للوراء... وتأملتها برهة... ثم قلت:
"سامر و دانة سيواصلان رعايتك.. وربما أفضل مني.. وأفضل من خالتك أو أي شخص كنت تتمنين أن.. يهتم بك"
هنا نطقت رغد فجأة قائلة:
"أنا لا أريد لأحد أن يهتم بي.. أنا لست طفلة كما تظنون.. ومن الآن فصاعدا سأتولى أنا الاهتمام بنفسي.. واتخاذ قراراتي.. وإذا حاول أحد التدخل بشؤوني.. أو فرض نفسه عليّ.. فسوف أوقفه عند حده"
وكان صوتها متألما.. وكلامها مهددا... قلت:
"لا أحد يفرض نفسه عليك يا رغد... لا أحد يجبرك على شيء..."
وأضفت:
"لكن... أحيانا... نجد أنفسنا نقدم التضحيات طوعا من أجل الأشخاص الذين نعزهم كثيرا... والذين يستحقون التضحية... وكم كنا لنشعر بأشد الندم... لو بخلنا عليهم..."
ولم تعلق... فقلت:
"أتفهمينني يا رغد؟؟"
انتظرت منها أن ترد علي... أن تلتفت لي... لكنها كانت أقسى من أن تمنحني الفرصة الأخيرة...
تراجعت إلى الوراء... خطوة تلو خطوة... وقفت عند الباب... وعيناي متشبثتان بها.. تكادان تقتلعان من مكانيهما.. وتبقيان هناك..
"وداعا... صغيرتي"
أخيرا نطقت... وأغلقت فمي... وأغمضت عينيّ... أبتلع المرارة الشديدة التي خلفتها الجملة الأخيرة.. وأمتص الدموع الحارقة التي كانت تغلي تحت جفوني...
فتحت عينيّ... ونظرت إلى صندوق الأماني الذي كان في يدي... وانعصر قلبي ألما...
وداعا أيها الصندوق...
كنت لي رفيقا شديد الغموض والكتمان... طوال السنين...
لقد حافظت على أسرارك منذ صنعتك بيدي... فهل ستكتم أمانيّ وأحلامي... وحبيبتي.. في جوفك... إلى الأبد؟؟
وضعت الصندوق بهدوء على المنضدة المجاورة للباب.
وأخيرا... أغلقت الباب... ببطء... ببطء شديد... إلى أن اختفت الفتحة... وانقطع حبل الرؤية الممتد من عيني... إلى رغد...
وفيما نحن نهبط السلالم أنا وسامر و دانة... خارجين من هذا الجناح في طريقنا إلى البوابة... وأنا مستمر في ترديد وتأكيد وصاياي لأخي... ولأختي... إذا بصوت ينادي بانفعال فيوقفنا:
"وليد"
التفتنا إلى الوراء... إلى الأعلى... إلى حيث كانت رغد تقف... وتنظر إلي...
لم تصدق عيناي أنهما تريانها... ما أسرع ما حلقتا إليها والتصقتا بعينيها...
أهذه أنت رغد... أجئت لوداعي؟؟ هل رأفت بحالي أخيرا؟؟...
"خذ"
هتفت رغد... وهي ترمي باتجاهي بشيء ما... يرتطم بصدري... ثم يقع أمام رجليّ...
أردت أن أنظر إلى ذلك الشيء... لكن عيناي رفضتا الانفكاك عن رغد...
وإذا بها تهتف:
"احتفظ به أنت... فأنا لم أعد طفلة لأحتفظ بشيء تافه وغبي كهذا"
وبسرعة البرق اختفت رغد...
لكن عينيّ ظلتا تحملقان في المكان الذي كانت تقف فيه... تفتشان عنها... أين اختفت فجأة؟؟ أين ذهبت؟؟
انتبهت من ذهولي وحملقتي على صوت دانة تقول:
"ما هذا؟"
التفت إليها فإذا بها تنظر باتجاه قدمي... طأطأت رأسي ونظرت... فهل تعلمون ماذا رأيت؟؟
نعم... لقد حزرتم...
صندوق الأماني!!

***************
يتبع......
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.aljamal-islami.com
فتاة مسلمة
******
avatar

عدد المساهمات : 337
تاريخ التسجيل : 08/02/2010
العمر : 27
الموقع : الجمال الاسلامى

مُساهمةموضوع: رد: رواية ستاخذك لعالم اخر و ستستحوذ على تفكيرك كله....   الإثنين مايو 03, 2010 1:42 pm

***************

"وليد!!"
اندهشت كثيرا عندما رأيته يقف أمامي... وبعد كل تلك المدة الطويلة التي غابها عني... عجبا! ألا يزال يذكرني؟؟
مد يده ليصافحني... فلم أمد يدي إليه... تصافحني يا وليد؟؟ بعد كل هذا الغياب... هذا التجاهل والهروب مني... تعود وتصافحني؟؟
"أروى!... ألن تسلمي عليّ؟؟"
سألني ويده لا تزال معلقة تنتظر مصافحتي... وخالي يقف جوارنا وعلى وجهه التوسل... لكنني لم أقبل...
أشحت بوجهي عنه وقلت:
"ما الذي أعادك؟؟"
سمعت خالي يهتف رادعا:
"أروى!"
فالتفت إليه وإلى وليد وقلت:
"وصلت متأخرا جدا..."
وليد طأطأ برأسه ليرني اعتذاره ومدى ندمه... وتكلم قائلا:
"مررت بأزمة حرجة جدا يا أروى... سأشرح لك"
فقلت:
"لست مضطرا..."
فعاد خالي يردعني... فقلت وقد أفلتت أعصابي:
"كل هذه المدة يا خالي وهو غير موجود... يسافر ويرحل... ويغيب كل هذا الزمن... دون خبر... دون كلمة.. متجاهلا لي.. متناسيا وجود زوجة في حياته... وتريد مني أن أستقبله بترحيب؟؟"
قال خالي:
"يهديك الله يا ابنتي نسمع منه ما حصل أولا"
فما كان مني إلا أن انسحبت من المكان وخرجت إلى قلب المزرعة.
بعد مرور فترة... جاء خالي إلي وطلب مني الذهاب معه للتحدث مع وليد فأبيت.
أخبرني بأن وليد شرح له الظروف الحرجة التي مر بها وأنها كانت بالفعل خطيرة, ورجاني أن أصغي إلى وليد وأسمع منه مبرراته. وافقت من أجل خالي الذي كان قلقا بشأن علاقتي مع وليد... والتي أعتبرها أنا... انتهت منذ زمن...
في المنزل... تركنا خالي بمفردنا وذهب ليصنع القهوة... وليد بدأ الحديث بالسؤال:
"كيف أنت يا أروى"
وحقيقة استفزني ذلك السؤال كثيرا... كيف تتوقع أن أكون وزوجي قد هجرني منذ فترة طويلة وأنا في أوج حزني على أمي الراحلة؟؟
لذا قلت بجفاء:
"أرجوك وليد... لا داعي لأي كلام جانبي... أخبرني فقط بما أخبرت به خالي واختصر ما أمكن"
نظر إلى وليد نظرة حزينة جدا تفطر القلب...
انتبهت الآن فقط... إلى أن شكله قد تغير... كأنه كبر عشرين عاما... كان شاحبا ذابلا منحني القامة... يبدو مريضا ومرهقا جدا... وكان شعر رأسه وذقنه طويل وغير مرتب.. عيناه كانتا غائرتين وجفونه مسودّة... شكله كان مقلقا..
قال:
"حسنا يا أروى... أنا لن أضغط عليك في شيء. لقد أخذتِ كفايتك من الوقت للنظر وإعادة النظر والتفكير والتقرير... سأكون تحت أمرك فيما ستقررين مهما كان... فقط اسمعي مني مبرراتي... وموقفي..."
قلت والاهتمام يغزوني:
"تفضل"
وبدأ وليد يقص علي ما حصل مع شقيقه ومعه.. ما اضطر لفعله وكيف تصرف وإلى من لجأ وكيف سارت الأمور معه منذ اللحظة التي فارقني بها تلك الليلة, ليلة أن حضّرت له عشاء مصالحة فتركني وذهب إلى أخيه... وإلى أن عاد إلي هذه اللحظة...
أحداث بدت أقرب إلى الأفلام منها إلى الواقع... عنف.. ذعر.. شرطة.. مطاردة.. هروب.. مرض.. مستشفى.. أحداث رهيبة اقشعر لها بدني.. وذاب لها قلبي وانصهرت مشاعري.. أمور فاقت أبعد توقعاتي واستصعب عقلي استيعابها دفعة واحدة...
كان وليد يتوقف من حين لآخر.. يلتقط أنفاسه.. ويشرب جرعة من كأس الماء البارد الذي طلبه من خالي.. ورغم أنني طلبت من الاختصار منذ البداية, إلا أنه ذكر الكثير من التفاصيل بل وحتى بعض الأيام والتواريخ والساعات.. وتفاصيل المبالغ المالية التي سحبها من المصرف وكيف وأين صرفها.. وأسماء بعض الأطباء الذين أشرفوا على علاجه وأسماء بعض الأدوية.
كنت أصغي إلى كل ذلك دون أن أقاطعه.. كنت أتجاوب معه عبر الانفعالات التي تطرأ على وجهي كلما ذكر شيئا مثيرا.. وحقيقة كان كل ما ذكره مثيرا ومربكا..
"ثم ماذا؟"
سألته بتشوق عندما رأيته يتوقف عن الكلام أخيرا وقد انتهى من سرد كل الأحداث... فأجاب:
"ثم استغليت سيارة أجرة وجئت مباشرة من المطار إلى هنا.."
سألت راغبة في المزيد من التأكد.. فقد يكون قد أغفل عن ذكر شيء هو لدي أهم من التفاصيل التي ذكرها:
"جئت بمفردك؟"
فأشار من حولي وقال:
"كما ترين.."
فصمت برهة أفكر وأتأمل.. ثم سألت:
"ثم ماذا؟؟"
فنظر إلي وقال:
"يعتمد عليك"
أتصدقون هذا؟؟
وليد الآن معي... بمفرده.. ترك محبوبته المدللة في آخر العالم وعاد إلي..! هل هذا صحيح؟؟ هل تخلى عنها من أجلي؟؟ هل تركها هناك.. وعاد ليبقى معي أنا؟؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.aljamal-islami.com
فتاة مسلمة
******
avatar

عدد المساهمات : 337
تاريخ التسجيل : 08/02/2010
العمر : 27
الموقع : الجمال الاسلامى

مُساهمةموضوع: رد: رواية ستاخذك لعالم اخر و ستستحوذ على تفكيرك كله....   الإثنين مايو 03, 2010 1:46 pm

الخاتمة:أنت لي!


انتهينا من التسوق, وعدنا نحمل حاجياتنا إلى الشقة. اليوم هو الثلاثون من شعبان وغدا هو أول أيام رمضان المبارك. نحن في موسم الشتاء, وصديقي العزيز يقيم في هذه الشقة الدافئة نسبيا وحيدا, ولا يجد أمامه غير الأطعمة المعلبة يتناولها على الفطور.
وبالرغم من أنني ألح عليه كي يشارك عائلتي موائد الشهر الكريم غير أنه يرفض. صديقي وأعرفه عزّ المعرفة!
"أين أضع هذه؟؟ في المخزن أم الثلاجة؟"
سألته وأنا أمسك بعلبة الزيتون الأسود فتناولها مني وقال:
"هات"
وفتحها وسكب بعض محتوياتها في طبق وقال:
"تفضل... شاركني العشاء الليلة"
ابتسمت وقلت:
"شكرا يا صديقي... أم فادي في انتظاري الآن..."
وتناولت بعض حبات الزيتون على عجل ثم قلت:
"إذن سأذهب الآن... هل تحتاج أي شيء؟؟"
فأجاب:
"ألف شكر"
وتصافحنا وغادرت شقته.
وليد يعمل موظفا في إحدى الشركات ويقيم في هذه الشقة منذ عدة أشهر بعد أن هجر المنزل الكبير الذي كان يقيم فيه وحيدا, واتفق مع عائلته على عرضه للبيع. كانت تلك خطوة مهمة في حياته وأنا من أوحى له بها وشجعه عليها وسهل له العثور على هذه الشقة, إذ أن وليد كان ليصاب بالجنون لو استمر في العيش وحيدا هناك؛ تحيط به أطياف أفراد عائلته... وذكرياتهم المؤلمة...
كان وليد بحاجة إلى مبالغ مادية يسد بها القروض الكبيرة التي كان قد استدانها من مؤسسة البحري ليغطي بها مصاريف سفر شقيقه وإقامته في الخارج...
باع سيارته الجديدة الفخمة, وسيارته القديمة التي علقت في شمال البلد, وكذلك سيارة وشقة أخيه, ومنزل عائلته في الشمال, بالاتفاق والتنسيق مع ذويه... واشترى هذه الشقة وسيارة متواضعة... وينتظر وصول عرض جيد لبيع المنزل ويحصل على نصيبه الشرعي منه فيتحسن وضعه المادي.
هل تتساءلون... عن السيدة أروى البحري؟؟
انفصل عنها بعد عودته من الخارج.
مر وليد بفترة عصيبة للغاية عند عودته للوطن, انفصاله عن خطيبته السابقة, انقطاعه عن العمل, تدهور وضعه المادي, والصحي والنفسي, واستدعائه من قبل السلطات مرات ومرات من أجل التحقيق في قضية اختفاء شقيقه سامر, المطلوب أمنيا.
لقد عاصرته في تلك الفترة.. وحاولنا أنا ووالدي دعمه بأقصى ما كان لدينا.. وكنت كلما زرته في ذلك المنزل رأيت الوجوم يخيم على وجهه.. وكلما حاولت مواساته وتشجيعه انهار وبثني همومه وانخرط يحكي لي ويصف.. كيف حبس شقيقه في هذه الغرفة أو كيف لفه كالجثة في تلك السجادة.. وكيف هاجمه رجال المباحث وأوسعوه ضربا وكيف امتدت أيديهم الخسيسة لتطال ابنة عمه.. وكان.. لا يزال يحتفظ بعكازها وهاتفها المحمول وأشياء كثيرة تخصها رفض التخلص منها...
لم تهدأ الأمور وتتحسن بعض الشيء إلا مؤخرا... ووليد الآن يحاول جاهدا أن يُشفي ويعود للعيش الطبيعي... يحاول أن يملأ حياته ويسد الفراغ الكبير الذي خلفه فراق كل من خطيبته السابقة, وشقيقه, وبالطبع... ابنة عمه.
يقضي أوقاته بين العمل نهارا والدراسة في المعهد ليلا, ونتبادل الزيارات أو نمر ببعض المعارف أو بالنادي الرياضي أو نتنزه عند الشاطئ في بعض أيام العطل. كنت أحاول أن أساعده ما أمكنني... حتى يجتاز الفترة الحرجة من حياته ويبدأ من جديد. ولذا عندما اتصل بي سامر يوم أمس وسألني عن عنوان شقة وليد... توجست خيفة.
أخبرني سامر بأنهم سيحضرون لقضاء شهر رمضان في الوطن... وأنهم يريدون مفاجأة وليد. وليد كان يتحاشى الاتصال بأهله إلا قليلا لأن ذلك يقلب عليه المواجع حسبما يقول. لم أشأ أن أوتّره ولا أن أفسد المفاجأة فكتمت النبأ عنه... لكنني في خشية من أن تعيده هذه الزيارة أدراجه إلى الوراء..
الحرب لم تضع أوزارها بعد لكن الحكومة تبدلت ووضع البلد بشكل عام يسير للأفضل وبعض الأسر المهاجرة عادت إلى الوطن مؤخرا.
حالما وصلت إلى منزلي أخبرتني أم فادي بأن أحدهم قد اتصل قبل قليل يسأل عني وأنه ترك رقم هاتفه لأتصل به في أقرب وقت.
اتصلت بالرقم, فإذا بذلك الشخص هو لاعب كرة القدم الشهير... نوّار!

*********

طبق من الفاصوليا الساخنة... وشريحة لحم مقلية.. مع أصابع البطاطا المقلية... وبعض الخبز والزيتون والتمر!
آه وماذا بعد؟؟
نعم... العصير!
انتهيت من توزيع الأطباق على المائدة المربعة الشكل والصغيرة الحجم, المتربعة في آخر الصالة أمام المطبخ مباشرة, وجلست على أحد المقاعد الأربعة التي تحيط بجوانبها.
هذا جيد الإفطار في غرة الشهر الكريم.. لك الحمد يا رب والشكر...
كنت أشعر بجوع شديد... وأعددت وجبتي هذه على عجل بعد عودتي من المسجد... وما كدت أنطق بالبسملة حتى سمعت قرع الجرس...
"ومن يكون هذا الآن!؟"
استغربت... فأنا لا أتوقع زيارة من أحد وخصوصا في هذه اللحظة... كما وأن الأشخاص الذين يزورونني في شقتي معدودون... ولا أظن أحدهم يهتم لتناول فطور كهذا معي!
قمت عن المائدة وذهبت إلى الباب وسألت:
"من هناك؟؟"









to be continued...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.aljamal-islami.com
فتاة مسلمة
******
avatar

عدد المساهمات : 337
تاريخ التسجيل : 08/02/2010
العمر : 27
الموقع : الجمال الاسلامى

مُساهمةموضوع: رد: رواية ستاخذك لعالم اخر و ستستحوذ على تفكيرك كله....   الإثنين مايو 03, 2010 1:48 pm

تتمة:

قمت عن المائدة وذهبت إلى الباب وسألت:
"من هناك؟؟"
فجاء صوت رجولي يقول:
"هل أنت وليد؟؟ افتح من فضلك"
لم يكن الصوت غريبا... لا ليس غريبا... لكنه صوت لم أسمعه منذ زمن...أنا مشتبه... لا لست أكيدا... من هذا؟؟
"من هناك؟؟"
وجاءني الآن صوت نسائي حاد:
"افتح يا أخي!"
صوت... دانة! صوت دانة؟؟!!
مستحيل!!!
للوهلة الأولى وجمت... تسمرت على موضعي... فأنا لا أريد لحالة الجنون تلك أن تعتريني مجددا... لا أريد أن أعود إلى التهيؤات والتخيلات ...لا ... أبدا...
عاد الصوت النسائي يقول:
"هل أنت وليد شاكر أم ماذا؟؟"
نعم غنه صوت دانة!
فتحت الباب بسرعة غير مصدق... وإذا بي أرى دانة... شقيقتي الوحيدة... تقف بالفعل أمام عيني!!!
"وليد! أخي الحبيب!"
قالت ذلك وارتمت في حضني بقوة وأطبقت عليّ بذراعيها... اندفعت خطوة إلى الوراء وأنا أحملق فيها غير مصدق أنها بالفعل شقيقتي...
"يا شقيقي يا حبيبي كم اشتقت إليك! كل عام وأنت بخير عزيزي"
تقول ذلك وهي لا تزال تطوقني بذراعيها بقوة وتمرغ وجهها في صدري... ابتعدت بعد ذلك لتنظر إلي... فتيقنت بالفعل من أنها... أنها شقيقتي دانة!
"أوه! دانة!! أي مفاجأة!! لا أكاد أصدق... لا أصدق..."
قلت ذلك وضممتها إلي وقبلت جبينها بحنان... عند ذلك سمعت صوتا يقول:
"ألن تدعونا للدخول؟؟"
فالتفت إلى صاحب الصوت فإذا به نوّار... وكان يبتسم, ويحمل في يدي الاثنتين مجموعة من الأكياس... وعلى كتفه حقيبة قماشية كبيرة...
تراجعت للوراء وأنا أقول:
"يا للمفاجأة... أنا مذهول! تفضلا... أهلا..."
فدخل نوّار ووضع الأكياس والحقيبة جانبا ثم أقبل نحوي فاقتربت منه كي أصافحه وأعانقه. رحبت به بحرارة... كانت دانة تقف إلى جانبي فمددت ذراعي إلى كل منهما وحثثتهما على الدخول مرحبا...
"أهلا وسهلا ومرحبا... كل عام وأنتما بخير... تفضلا... حقا... مفاجأة مذهلة"
فسارا للأمام واستدرت للوراء لأغلق الباب... وإذا بي أرى شيئا مهولا... مهولا جدا... أخرس لساني... وجعلني أتجمد في موضعي كالتمثال...
كفى يا وليد... أرجوك توقف... لا... أنت لم تكد تصدق أنك شفيت من حالة الأوهام الفظيعة تلك... أرجوك توقف... لا تعد للصفر من جديد... كلا...
أغمضت عينيّ... بقوة... حتى كدت أعصرهما بجفوني... رغبة مني في محو الوهم الذي رأيته يقف أمام الباب قبل ثوان...
"رغد... تعالي!"
فتحت عيني... بعد الذي سمعت... نظرت من جديد... حملقت جيدا... وكان الوهم... لا يزال واقفا... يحمل شيئا ما على ذراعيه... وينظر إليّ!!
أحسست بحركة من خلفي... ثم رأيت دانة تظهر أمامي... متجهة إلى الوهم... وسمعتها تقول:
"مفاجأة! أليس كذلك؟؟!"
ثم تمد يدها نحو الوهم... وتأخذ منه ذلك الشيء وتقربه مني...
نظرت إلى ذلك الشيء... حملقت فيه... فإذا به ينظر إلي... ويتثاءب!
كان طفلا في المهد...!!
أخذت عيني تدور بين الطفل... ودانة... والوهم... تدور... وتدور... وتدور... حتى أصابني الارتجاج في دماغي واستندت إلى الجدار المجاور خشية أن أقع...
"وليد"
كان... صوت شقيقتي دانة... يهتف بقلق...
"هل أنت بخير؟؟"
أقبل نوّار... تناول الطفل من يد دانة... واقتربت دانة مني وأمسكت بذراعي وسألت:
"ماذا أصابك؟؟ هل أنت بخير؟؟"
جذبت أنفاسا عميقة متتالية ثم قلت:
"إنه... الصيام"
ثم عدت انظر إلى الطفل... ثم إلى الوهم... بل هي رغد... لأن ما حولي الآن ليس وهما... أنا أحس به وأبصر به جيدا... إنها رغد... نعم رغد...
أقول لكم رغد...
هل تسمعون؟؟
هل تفهمون ذلك؟؟
رغد... فتاتي رغد... هي رغد... آه...
أنا... أنا لا أعرف ماذا أقول... لا أعرف ماذا أقول...
"تعال... هل أكلت شيئا؟؟"
كانت دانة... تمسك بي وتحثني على السير إلى الداخل... ثم تقول موجهة خطابها إلى رغد:
"أغلقي الباب وتعالي يا رغد"
فتنفذ الأخيرة ذلك... وتتبعنا إلى المقاعد... أنا أجلس على المقعد... ويجلس نوار إلى يساري واضعا الطفل في حضنه... وأختي ورغد... تجلسان في الجانب الآخر...
"أأنت على ما يرام أخي؟؟"
تسألني دانة, فأجيب:
"لا تقلقي... أنا بخير"
يقول نوّار:
"إذا لم تبدأ الفطور بعد؟ هذا جيد... أحضرنا معنا بعض الأطعمة كي نشاركك"
التفت إليه فأراه يبتسم... وحقيقة هذا الرجل دائما مبتسم... أسمع صوتا يصدره الطفل الصغير... فيداعبه نوّار بلطف...
لحظة!
لكن... لكن...
أين سامر؟؟؟

انتبهت للتو على عدم وجوده فالتفت نحو الباب أتأكد من كونه غير موجود... ثم سألت:
"ماذا عن سامر؟؟"
فأجابت دانة:
"يبعث إليك بأحر القبلات.. كان يتمنى أن يحضر معنا ولكن تعرف.. خشينا عليه من السلطات"
وأضاف نوار وهو يضحك:
"إنه مشغول البال الآن!"
انتفض جسمي.. التفت إلى رغد بسرعة... اصطدمت بعينيها بقوة... فارتدّت إلى الوراء وقد ظهر الفزع على وجهها...
سمعت دانة تقول:
"نوّار! اسكت"
فيطلق نوّار الضحكات المرحة ثم يقول مداعبا:
"لكنني لم أفش الخبر بعد!"
تمد دانة يدها من أمامي... وتقرص رجل نوار بلطف, فيستمر بالضحك ثم يوجه سؤاله إليّ:
"ماذا عنك أنت يا وليد؟؟ هل تزوجت أم ليس بعد؟؟"
كانت برهة سريعة... لكنني لمحت فيها كل شيء...
يد دانة وهي تقرص رجل نوّار... حاجبيّ نوّار وهما يرتفعان للأعلى ثم ينخفضان بخجل... ويد رغد... وهي تنقبض وتضطرب...
جاريت نوّار مفتعلا الضحك وقلت:
"ليس بعد!... كما ترى"
وأشرت بيدي إلى ما حولي...
وفي الحقيقة... أنا انفصلت عن خطيبتي السابقة... بعد عودتي للوطن قبل عام وأكثر... ولم أطلع شقيقتي دانة على الخبر إلا لاحقا... وقد حذرتها من إفشائه على مسامع أحد... خصوصا رغد وسامر...
فبعد الذي حصل لم يكن هناك ما هو أفضل من أن أختفي وتختفي أخباري عنهم... وأخبارهم عني..
لم أكن أتصل بهم إلا قليلا للاطمئنان عليهم. كنت أهاتف دانة أغلب المرات وأتجنب التحدث إلى سامر.. أما رغد.. فأصلا لم أكن لأجرؤ حتى على السؤال عنها...
أصدر الطفل صوتا من جديد... وربما كان منقذا لي من نسمة الذكريات التي كادت تلفحني... والتي أبذل قصارى جهدي كي أتناساها... التفت إلى الطفل... ثم إلى دانة وسألت وأنا أكاد أغص بسؤالي:
"هذا... ابنكِ؟؟"
فابتسمت وقالت:
"لا"
فجن جنوني... وابتلعت الغصة مرغما وكدت أختنق بها... وإذا بها تتابع:
"بل هذه ابنتي!"
حملقت فيها... ثم نظرت إلى الطفل... أعني الطفلة... نعم الطفلة... لأن ملامحها ناعمة جدا... وجميلة جدا...
ومددت أصابعي إليها ألمس خدها الناعم...
لكن انتظروا!
أنا لم أفهم...
عدت أنظر إلى دانة وفي فمي عدة أسئلة... فإذا بها تحملق في ابنتها بنظرة عطوفة... ثم تقول:
"أليست جميلة وليد؟؟ سميتها ندى... تيمنا بوالدتنا رحمها الله"
مد نوّار الطفلة إلي وهو يقول:
"سلمي على خالك يا ندى..."
تناولت الطفلة وتأملتها برهة... فشعرت بسرور غريب يجتاح عواطفي... ضممتها إليّ وطبعت قبلة خفيفة على رأسها... وشممت رائحتها الطفولية البريئة...
"ما أرقها وأنعمها!... آه... كيف لم تخبروني عن ولادتها؟؟"
قلت معاتبا دانة فأجابت وهي ترفع حاجبا وتخفض الآخر:
"الاتصال بك ليس مهمة سهلة!"
وأنا أعرف ذلك وأتعمده...
"لم لا نتم حديثنا على المائدة؟؟ إننا نتضور جوعا!"
كان نوّار...
وقفنا كلنا قاصدين التوجه إلى المائدة... وهذه المائدة صغيرة... وقد لا تتسع لنا...
تناولت دانة طفلتها وجالت ببصرها في أرجاء الشقة وسألت:
"أين يمكنني وضع الطفلة؟؟ شقتك تبدو صغيرة!"
فقلت:
"نعم... معذرة فكل شيء صغير هنا... في غرفة النوم... من هنا... تفضلي"
وقدتها إلى غرفة النوم... فوضعت الطفلة على السرير وهمت بالمغادرة...
هنا قلت بصوت منخفض:
"انتظري"
وألقيت نظرة نحو الباب أستوثق من أحد لم يتبعنا... فهمت دانة أنني أرغب في قول شيء بسرية... فنظرت إلي متسائلة... عنها سألت:
"ماذا... عن سامر...؟ أنا لم أفهم"
ابتسمت دانة ابتسامة طفيفة ثم قالت:
"عقد قرانه على لمياء... شقيقة نوّار... قبل أسابيع"
الخبر أربكني وأرسلني إلى قعر الحيرة والتيه... ثم خرجت الكلمة من بين شفتيّ من دون أن أشعر:
"و... رغد؟؟"
ارتسم القلق والألم على وجه دانة ثم قالت:
"مررنا بفترات عصيبة... عصيبة جدا جدا..."
ثم تنهدت وتابعت:
"قررت... الاستقرار عند خالتها... سنقضي هنا أسبوعين ثم نذهب بها إلى الشمال... تستلم إرث والديها وتقيم مع أسرتها هناك.. هذا قرارها الأخير.."
جمدني الذهول... وبقيت محملقا في عيني شقيقتي... أحاول ترتيب ما عرفته من مفاجآت... هذه الساعة...
رأيتها تسير مغادرة الغرفة... فتبعتها وذهني واقف في الغرفة موضعه, توجهت دانة إلى المائدة وأخذت توزع محتويات الأكياس عليها... ثم دعتنا للجلوس... جلست على أقرب كرسي رأيته أمامي... وجلست هي إلى اليسار... ونوّار إلى اليمين... والمقعد الأخير... المقابل لي مباشرة... كان من نصيب رغد...
أنا لست بحاجة لأن أصف لكم... أنا أصلا لا أستطيع أن أصف لكم... سأترككم تتخيلون حالي... كما تشاءون...
انتهينا من العشاء وأنا لم أشعر بطعمه... ربما لم آكل شيئا... لقد كنت أراقب أصابع البطاطا وهي تختفي واحد بعد الآخر... لكنني متأكد من أنني لم أذق منها شيئا...
من الذي يوجد معنا... ويحب البطاطا المقلية لهذا الحد؟؟
من الذي يوجد معنا... ولا يتحدث؟؟
من الذي هنا... ولا أستطيع أن أرفع عيني لأنظر إليه؟؟
يتحرك أمامي... بهدوء... بصمت تام... كأنه غير موجود... لكن وجوده طغى على كل وجود... وعلا فوق كل وجود... ولم يضاهيه أي وجود...
آه...
رغد... صغيرتي...
بعد الفطور, قامت الفتاتان ترفعان الأطباق... وفيما هما كذلك سمعنا صوت بكاء الطفلة... فتركت رغد ما بيدها وهي تقول:
"أنا سأتفقدها"
وذهبت إلى غرفة النوم, حيث كانت الطفلة موضوعة على السرير...
أتدرون ما الذي خطر ببالي؟؟
أن ألحق بها...
ذهبت خلفها مباشرة... ووقفت عند الباب... وهي لم تنتبه إلي بادئ الأمر... جلست على السرير ورفعت الطفلة وهزتها قليلا... فسكتت الأخيرة ونامت ببساطة!
أعادتها رغد إلى السرير... ثم هبت واقفة... واستدارت فانتبهت لوجودي...
التقت نظراتنا... التي كانت تتحاشى بعضها البعض طيلة الوقت... هذه المرة لم تتهرب أعيننا... بل تعانقت عناقا طويلا... ملتهبا... عميقا...
وبعد حصة النظرات الطويلة تلك... تقدمت باتجاهها وأنا ألهث مضطرب الكيان والجوارح... كذلك كان الاضطراب مجتاحا لرغد... فأصابع يدها تتشابك وتنفصل مرارا...
لما صرت أمامها مباشرة... لا تفصلني عنها غير بضع بوصات... كتمت أنفاسي... ثم أطلقت زفرة حارة... ثم سمعت لساني يقول لا شعوريا:
"... اشتقت إليك... صغيرتي"
لا أعرف من أين خرجت تلك الكلمات... لكنها خرجت... ووصلت على رغد... فإذا بوجهها يضطرب أكثر... وأصابعها ترتجف أكثر...
أطلت التحديق بها... مفتشا عن رد.. فإذا بي أرى حاجبيها ينعقدان ووجها يعبس وإذا بها تشيح به عني وتتنحى جانبا وتسير متجهة إلى الباب...
استدرت إليها ومددت يدي في الهواء وناديتها بصوت هامس راج متلهف:
"صغيرتي"
فإذا بها تلتفت إليّ وتصوب أسهما نارية إلى عينيّ وللمفاجأة تقول:
"إياك أن تناديني هكذا ثانية"
واستدارت لتتابع طريقها في ذات اللحظة التي ظهرت فيها شقيقتي دانة مقبلة إلى الغرفة وفي يدها زجاجة حليب أطفال... نقلت دانة بصرها بيننا ثم تظاهرت بالمرح وقالت وهي تشير للطفلة:
"هل نامت؟ إنه موعد الحليب!"
في نفس الليلة أصرت دانة على أن نقوم بزيارة للمنزل الكبير والذي شعرت بحنين شديد إليه. لم أكن أرغب في دخول ذلك المنزل واسترجاع الذكريات التعيسة فيه غير أنني لم أجد بدا من تنفيذ رغبتها.
ذهبنا إلى المنزل نحن الأربعة, مع الطفلة الصغيرة. ومن أول لحظة وطأت قدماي فيها أرض المنزل داهمتني آلام حادة في كامل جسدي...
بقي نوّار مع ابنته في المجلس, وذهبنا نحن الثلاثة وأقصد بالثلاثة أنا ودانة... ورغد... نجوب أنحاء المنزل...
لما اقتربنا من غرفة رغد السفلية توترت وتوقفت عن السير وتحاشت دخولها...
ولما صعدنا الدرجات رأيتها تتكئ على السياج وكأنها تتذكر لحظات الوقوع والكسر والجبيرة...
ولما دخلنا غرفتها العلوية... علقت هناك...
تابعنا أنا ودانة جولتنا تاركين إياها في غرفتها ربما تتفقد حاجياتها أو تسترجع ذكرياتها...
هذه الغرفة كنت أدخلها كل يوم... أطمئن على طيف صغيرتي بجنون... عندما كنت أقيم هنا وحيدا... بعد رحيلها...
بعد ذلك سمعنا صوت بكاء الطفلة فنزلت دانة إلى الطابق السفلي وكنت سأتبعها غير أن رجلاي غيرتا وجهتهما وقادتاني إلى... غرفة رغد...
كانت رغد تقف بجانب السرير وعينها تحملقان في الورقة الملصقة على الجدار فوق السرير... تذكرونها؟؟ إنها أول صورة رسمتها صغيرتي لي.. قبل سنين طويلة.. وهي ما تزال طفلة بالكاد تتعلم كيف تمسك القلم...
كيف لي أن أكتشف يومها... ما لم أكتشفه إلا بعد كل تلك السنين...؟؟
أحست رغد بحركتي فالتفتت نحوي فجأة... وإذا بالهلع يجتاحها ويحول وجهها إلى صحراء من الصفار... وأصابعها تضطرب وأنفاسها تتلاحق...
"هل أفزعتك؟؟ أنا آسف صغيرتي"
قلت ذلك محاولا تهدئة روعها غير أن يدها انقبضت بشدة ثم أبعدت عينيها عني وخطت نحوي قاصدة الخروج من الغرفة...
لم أستطع التحمل وأنا أراها تهرب مني... وقفت عند فتحة الباب وسددت الطريق أمامها فوقفت أمامي في حيرة وانفعال ثم رفعت بصرها إلي وأخيرا نطقت:
"تنحّ بعيدا لو سمحت"
وكانت نظرتها أقسى من جملتها... لكني لم أتزحزح ونظرت إليها برجاء فقابلت نظراتي بغضب... همست متوسلا:
"صغيرتي... أرجوك"
فإذا بها تهتف:
"قلت لك لا تنادني هكذا ثانية... لا أسمح لك... وابتعد عن طريقي فورا"
تسمرت مذهولا في مكاني فإذا بها ترفع صوتها آمرة بعصبية:
"ابتعد هيا"
فما كان مني إلا أن تنحيت جانبا وسط الذهول... وتركتها ببساطة تختفي..!

***********

أقنعت دانة زوجها بأن ننتقل للإقامة في المنزل الكبير عوضا عن الفندق, ولذلك ليتسنى لها تحضير الموائد الرمضانية المميزة وبحرية كما تقول... وطلبت من أخيها المكوث معنا أيضا... فوافق الأخير إكراما لها.
طبعا أنا لم يعجبني الوضع ولكنني لم أملك إلا الانصياع للظرف المؤقت, قبل رحيلي إلى بيت خالتي. وبعد انتقالنا للمنزل, إذا بدانة تقترح على زوجها أن يشتري حصة أخيها من المنزل ويسجلها باسمها... وتخبرنا بأنها تنوي التنازل عن الحصة لصالح وليد بعد ذلك...
نوّار رجل ثري كما تعرفون, وهو يحب دانة وينفذ رغباتها. وبهذا تم توكيل المحامي أبي سيف للقيام بالإجراءات اللازمة بأسرع ما يمكن.
أنا لا دخل لي بكل هذا إذ أنني لم أرث شيئا من هذا المنزل بطبيعة الحال, لكنني استلمت الحصة التي كان ابن عمي وليد قد تنازل لي عنها من إرث المنزل المحروق في الشمال, وسأستلم الإرث الذي تركه والدي الحقيقيان لي, والذي كان عمي شاكر قد حوله إلى وديعة مالية في أحد المصارف, وحان وقت استلامها. سأستغل جزءا من هذه الأموال في العودة إلى الدراسة من جديد.
في أول ليلة لي في هذا المنزل اتصلت بصديقتي مرح أسامة والتي كنت قد انقطعت عن الاتصال بها منذ رحيلي عن الوطن.. فألحت علي لزيارتها في منزلها في الليلة التالية.
كانت تلك الليلة شديدة البرودة.. وكانت دانة ترغب بالذهاب إلى أحد المتاجر لشراء بعض الحاجيات للمطبخ, لذا اصطحبنا شقيقها إلى منزل آل المنذر قبل أن يذهب معها إلى المتجر. ورغم برودة الجو لقينا آل المنذر في استقبالنا عن الباب ورحب أبو عارف وابنه الفنان عارف بابن عمي ترحيبا حميما عند لا يقل عن ترحيب مرح الملتهب بي داخل المنزل.
فيما بعد وأنا ومرح نتبادل الأحاديث والأخبار سألتني:
"ماذا عن الجامعة؟؟"
فقد أرغمتني الظروف على الانقطاع عن دراستي وللمرة الثانية... وتأخر فرصتي في الحصول على شهادة جامعية, كما كنت أحلم...
قلت:
"سأعود إلى الجامعة في الشمال"
فقال:
"لا تقولي! أبليت بلاء حسنا هنا... إنك أخطر منافسة لي والدراسة بدونك مملة!"
فضحكت وقلت:
"إذن تخلصتِ مني وضمنت المركز الأول"
فقالت بأسلوبها المرح ممزوجا برجاء:
"أرجوك رغد... عودي إلينا... ثم إن جامعتنا أرقى مستوى من تلك الشمالية"
فقلت:
"وأعلى تكلفة!"
وابتسمت بقلة حيلة وقلت:
"ولا طاقة لي بها حاليا!"
قالت مرح:
"آه صحيح تذكرت... لم يعد السيد وليد شاكر مديرا للمصنع والشركة"
حقا؟؟ أنا لم أعرف ذلك! أصلا لم أكن أريد أن أعرف أي أخبار عنه... وكلما جيء بذكره ونحن هناك في منزل دانة, أنسحب فورا من المجلس.
تابعت مرح:
"والدي وعمي حزنا كثيرا لمغادرته. كانا معجبين به ويكنان له احتراما وثقة كبيرين! كلنا أسفنا على انفصاله عن السيدة أروى وعن المؤسسة..."
ماذا...؟؟ ماذا قالت مرح؟؟ أنـــ...فصاله عن... أروى؟؟!!
فاجأني الخبر... صحيح أنني استغربت عيشه في تلك الشقة غير أنني لم أكن لآبه بأي شيء يتعلق به.. أصلا لم أكن موافقة على حضوري للمدينة الساحلية لكن دانة ألحت عليّ...
لكنّ هذا الخبر... فاجأني وأدهشني..
قلت طالبة التأكيد:
"أ... أعيدي ما قلت مرح؟؟"
نظرت إلي مرح باستغراب... فكررتُ:
"ماذا قلت الآن مرح؟؟ انفصاله عن ماذا؟؟"
تقوس حاجبا مرح دهشة وقالت مستغربة:
"عن السيدة أروى وعن الشركة!"

رفعت يدي من الدهشة ووضعتها على فمي... وحملقت في مرح بعينين واسعتين... مرح تأملت انفعالاتي وهي في حيرة من أمري... ثم بدا عليها وكأنها استنتجت شيئا, فقالت:
"لا تقولي... أنك لم تكوني تعلمين!؟؟"
سامحوني...
أعرف أن هذه أمور يجب على المرء أن يبدي الأسف حيالها... ويراعي مشاعر الآخرين...
أنا آسفة... لكن...
أنا الآن...
في هذه اللحظة...
أشعر برغبة مفاجئة في الضحك!
لم أنتبه لنفسي إلا وأنا أطلق ضحكة ساخرة.. ردا على سخرية القدر مني..
الشقراء... الدخيلة... التي بذلت كل جهودي كي أطردها بعيدا عن وليد في الماضي... لأستحوذ عليه.. والتي كنت أتمنى أن أمحوها كما أمحو رسمة واهية بقلم الرصاص.. قد انفصلت للسخرية عنه.. دون تدخلي!
يا للأيام...!!
التفت بعد أن فرغت من الضحك إلى مرح وسألت ساخرة:
"ولماذا انفصلا؟؟"
فنظرت إلي مستغربة من ردة فعلي... وقالت:
"تسأليني أنا؟؟"
أخيرا طردت السؤال والموضوع وصورة الشقراء وصورة وليد من رأسي, وغيرت اتجاه الحديث بعيدا...
وبعد نحو ساعة أُعلمت أن أهلي قد جاءوا فشكرت مرح على حسن ضيافتها وودعتها توديعا حارا... وخرجت من المنزل.

************

خرجت من المنزل وأغلقت البوابة الخارجية, ثم خطت خطوتين نحو السيارة, ثم توقفت وتراجعت للوراء.
ربما لم تستوثق من السيارة, فهي ليست السيارة السابقة التي اعتادت عليها. فتحت النافذة ونظرت إليها وقلت:
"تفضلي"
وربما لم تسمع صوتي لأنها لم تتحرك.. فأطللت برأسي مستغربا وأومأت إليها أن تعالي.. لكن رغد نظرت إلي نظرة غريبة ثم سألتني:
"أين دانة؟"
فقلت:
"ذهبت مع زوجها وطفلتها في مشوار"
وإذا بي أرى رغد تتراجع نحو بوابة منزل آل المنذر... وتهم بقرع الجرس!
خرجت من السيارة مستغربا من تصرف رغد وأقبلت إليها وقلت:
"ماذا ستفعلين؟؟"
فقالت دون أن تنظر إلي:
"سأتصل بدانة وأطلب منها الحضور مع نوّار لاصطحابي"
عندها شعرت بطعنة قوية تخترق صدري. اقتربت من رغد وقلت متألما:
"لماذا تفعلين ذلك؟؟"
فالتفتت إلي وأجابت حانقة:
"وهل تنتظر مني أن أركب السيارة معك أنت بمفردي؟"
وكانت هذه الطعنة أشد من سابقتها... وهمت رغد بأن تقرع الجرس فتداركتها مسرعا:
"أرجوك لا تفعلي... لا تحرجينا مع آل المنذر"
ففهمت رغد حرج الموقف و سحبت يدها... قلت:
"تعالي لنعود إلى المنزل الآن... أرجوك"
فوقفت برهة مترددة... ومر تيار قوي من الهواء ارتعدت له فرائصنا... فقلت:
"هيا فالريح تشتد"
وما كان منها إلا أن سارت على مضض وركبت السيارة كارهة ومشيحة بوجهها للعالم الآخر... فسلكنا طريق العودة بصمت الموتى... ووحشة المقابر..
عندما وصلنا إلى البيت, أردت أن أتحدث معها فهي لم تكلمني منذ حضورها للوطن, بل منذ تركتها في منزل دانة... قبل أكثر من عام... لكنها وفور دخولها المنزل أسرعت مهرولة إلى الطابق العلوي...
لحقت بها وأنا أسير منكسر الخاطر... حتى إذا ما اقتربت من غرفتها وجدت الباب مغلقا وصوتها يتخلله وهي تتكلم بغضب قائلة:
"... لكنه أخوك أنت وليس أنا"
"... عودي فورا"
هبطت للطابق السفلي... وانزويت على نفسي في غرفة المعيشة والتي عدت أستغلها كغرفة نوم لي... وجعلت أعض أصابعي حسرة على صغيرتي رغد...
قدمت دانة مع طفلتها وزوجها بعد نحو ساعة... وسألتني عما حصل فأخبرتها بموقف رغد مني... وبأن ذلك جرح شعوري كثيرا... وبأنني سأعود إلى شقتي إن كان وجودي من حولها يزعجها لهذه الدرجة...
ربما كان الأسى صارخا بأعلى صوته على وجهي للحد الذي جعل شقيقتي تمد يديها وتمسك بيدي بحنان بالغ وتربت علي وتقول:
"لا تبتئس هكذا يا أخي الحبيب.. إنها لا تزال تحبك... لكنها أيضا لا تزال تعتقد أنك... كنت تسخر من عواطفها تجاهك"
رفعت بصري إلى شقيقتي وحملقت بها مندهشا.. فأغدقت عليّ نظرات التفهم والحب والتعاطف, وكأنها كانت تقرأ كل ما يدور برأسي وترى ما يختبئ في صدري...
وإذا بها تقول:
"لسنين طويلة.. كانت تضع ساعة يدك الرجالية حول معصمها.. كنا نسخر منها.. لكنها لم تأبه بنا.. أظن أنها كانت مولعة بك منذ الطفولة.. وكانت تنتظرك.. لو كنت اعترفت ذلك اليوم بحقيقة شعورك أنت أيضا.. قبل رحيلك عنا.. ربما كنا حللنا الموضوع بشكل أقل إيذاء.. أخي سامر لم يكن أبدا ليرغب في الزواج من فتاة لا تحبه.. بل تحب شقيقه... واكتشف أيضا أن أخاه كان يحلم بالزواج منها"
وتوقفت قليلا تتأمل ذهولي من كلامها... قلت في دهشتي من صراحتها, محاولا إنكار الحقيقة:
"ما الذي... تهذين به!؟"
لكن دانة أدارت وجهها يمينا ويسارا وقالت:
"لا تحال يا وليد! لا جدوى من الإنكار.."
وأخذت تنظر إلي بنظرات عميقة... كأنها تكشف كل أفكاري.. ثم واصلت:
"سامر علم من رغد بحقيقة ما حصل قبل سنين مع ذلك الفتى الذي قتلته... وسبب قتلك له.. وكتمك الحقيقة وتحملك السجن.. ربط بين الأمور واستنتج كل شيء.. لذا.. قرر الابتعاد عن رغد والارتباط بأخرى... ليثبت لك أنت بالذات... بأنه يستحيل أن يتزوج بفتاة كنت تحلم بها أنت يا وليد..."
في اليوم التالي.. وأثناء تناولنا طبق التحلية, ونحن جلوس في غرفة المعيشة نشاهد التلفاز... تذكرت شيئا سرعان ما ذهبت لجلبه, وعدت به أمده نحو رغد...
"رغد هل تذكرين هذه؟"
وأنا أحاول الظهور بالمرح علها تتجاوب معي... علّنا نبدأ صفحة جديدة.. علّها تمنح قلبي لحظة اطمئنان واحدة... كانت مجموعة الصور التي رسمتها رغد لي ليلة أن وقعت من أعلى الدرج... تذكرونها؟ صور بقلم الرصاص كنت قد سلمتها إياها قبل سفرها الأخير إلى الشمال.. واسترجعتها من غرفتها السفلية بعد عودتي من خارج الوطن...
رغد تناولت الأوراق وراحت تقلبها وتتأملها... كنت مبتسما ومنتظرا تعليقا يجبر بخاطري بعد موقف البارحة... لكنني فوجئت برغد تمزق الأوراق وترمي بها نحوي وتقول:
"أنا لا أذكر شيئا كهذا ولا يهمني أن أذكر... ولا تنادني باسمي المجرد ثانية... هل فهمت يا سيد وليد؟؟"
وقامت من مقعدها وجرت مسرعة مغادرة الغرفة. حدث كل هذا أمام مرأى دانة ونوّار... اللذين ظلا يحملقان بي مذهولين.. ومنتظرين ردة فعلي..


لم أتمالك نفسي.. لم أستطع الصبر بعد ذلك.. خرجت لاحقا بها ودانة تناديني, غير أنني لم آبه ولحقت برغد.
أدركتها وهي توشك على دخول غرفتها وإغلاق الباب فحلت دون ذلك..
"انتظري"
هتفتُ راجيا... فصرخت غاضبة:
"ابتعد عن طريقي"
فقلت وأنا أمسك بذراعها وأعيقها عن دخول غرفتها:
"توقفي يا رغد... أرجوك.. أعطيني فرصة لأتحدث معك"
فهتفت وهي تحاول الفكاك عني:
"اتركني... لا تلمسني.. لا أريد سماعك.. ابتعد"
هتفت بجنون:
"أرجوك يا رغد.. ماذا أفعل حتى تصفحين عني..؟ أخبريني ماذا أفعل فأنا تعذبت ما يكفي... وأريد أن أستعيدك لي"
هنا أمطرتني رغد بوابل من الضربات على صدري مصحوبة بسيل من الشتائم الهائجة...
"أنا لست دمية عندك... تتنازل عنها وقت تشاء... وتستعيدها وقت تشاء... أيها المتوحش الكذاب الغدار المنافق... البليد المتحجر الغشاش... لا أريد أن أرى وجهك ثانية... كيف تجرؤ على الحديث معي بعدما فعلت بي؟؟ كيف تجرؤ على الإمساك بيدي؟؟ أنت لم تعد كأبي.. وأنا لم أعد تحت وصايتك.. أنت رجل غريب وبغيض.. وأنا أفضل الموت على رؤية وجهك... أكرهك... أكرهك.. اختف من حياتي يا بليد.."
وجرت بسرعة إلى داخل الغرفة وأغلقت الباب...
التفت يمينا وشمالا باحثا عن كلمة تعبر عن حالتي آنذاك ولم أجد غير شقيقتي ونوّار يقفان هناك... يراقبان ما يحصل...
ضربت على الباب بعنف وصرخت منفلتا قائلا:
"لقد فعلت ذلك من أجل أخي.. كيف أتركه يهلك أمام عيني؟؟ لماذا لا تسامحينني يا رغد؟ أنا لا أطلب منك أكثر من السماح الآن.. أنا من كان ولا يزال يتعذب أكثر منك أنت.. أكثر منكم جميعا.. لكنكم لا تشعرون بي.. لا أحد يشعر بي أنا.."
وضربت الباب ضربة أخيرة... ثم خرجت مسرعا من المنزل...

************

ولم يعد إليه ثانية..وكان هذا أفضل ما فعل... وصار نوّار يحمل أطباق الفطور إلى شقته ويتناولها معه كل ليلة.. وصرت أعد الليالي والأيام إلى أن حان وقت السفر إلى الشمال... أخيرا..
مررنا بشقته.. وذهبت دانة مع ابنتها ونوّار لتوديعه, ولازمت أنا السيارة -وهي سيارة استأجرها نوّار من المطار لدى وصولنا- وانتظرت عودتهما. لم أحمل معي أي شيء من حاجياتي الكثيرة التي كان وليد هو من اشتراها لي في السابق... ولا حتى هاتفي... والذي كنت قد تركته هو والعكاز في غرفتي لدى فرارنا من المنزل مسرعين... ذلك الصباح الضبابي... تذكرون؟؟ بعد الليلة الوحشية تلك.. حتى أنني تخلصت من الأشياء التي بعثها لي في منزل دانة.. لأنني لم أشأ يذكرني أي شيء.. بالحبيب الساخر...
غاب نوّار ودانة نحو نصف ساعة وأنا أنتظر على الجمر المتقد.. أقاوم سيل الذكريات لئلا يجتاحني... وأخيرا رأيتهما يظهران عند مدخل مبنى الشقة.. ويظهر وليد معهما أيضا..
التقت نظراتي بنظراته, فأشحت بوجهي سريعا لأتفاداه وأتفادى الألم الذي يخلفه مجرد مرور طيفه على مرآي...
ركب الاثنان السيارة وبدأت نسير على بركة الله مبتعدة عن شقة وليد. كنت أجلس في الخلف وبدون أن أشعر وجدتني ألتفت إلى الوراء وأنظر إلى الناحية التي ظهر فيها وليد قبل قليل.. مدخل المبنى..
وللعجب.. رأيته لا يزال واقفا هناك.. ينظر إلي أنا.. ويبتسم.. ثم يرفع يده يلوح لي..
أشحت بوجهي عنه ونظرت إلى الأمام... وأنا أشعر بأن عينيه ملتصقتان بزجاج النافذة... خلفي مباشرة.. فملت برأسي للأمام لأبتعد عنهما... كانت السيارة تقترب من إشارة مرور لذا خفف نوّار السرعة ثم توقف عند الإضاءة الحمراء.. نظرت إليه وإلى دانة... ثم إلى اليمين والشمال.. كل من حولي في شغل عني.. أنظارهم وأفكارهم كانت تسير في اتجاه آخر.. لكني أشعر بأن عينين تحدقان بي...
التفت إلى الخلف.. وأمعنت إلى النافذة وعبرها إلى ما خلفها... فإذا بي أرى يدا لا تزال تلوح لي من بعيد... كانت لا تزال تتمايل يمينا وشمالا... تتمايل لي!
حضرتني فجأة تلك اللحظة المريرة.. لحظة أن ركبنا أنا وسامر سيارة الشرطة... وسرنا مبتعدين... ووليد واقف هناك في حر الشمس... يلوح لي بيده... يلوح ويلوح... وصورته تغشي بصري فلا أرى غيرها... إلى أن اختفى فجأة... وتلاشت من حياتي مثل السراب...
إنها نفس اليد... تلوح لي... بنفس الطريقة...
إنني بذلت كل طاقاتي... لأرسمها بيدي... في تلك اللوحة... {لوحة الوداع**... آخر لوحة رسمتها لوليد... وليد قلبي... ثم غطيتها بطبقة من الضباب الأسود...
أضاءت الإشارة الخضراء... السيارة بدأت تتحرك... السرعة أخذت تتسارع... اليد الملوّحة أخذت تبتعد... وتصغر... وتصغر... وتصغر... وأخيرا.... اختفت!
لم يعد وليد موجود خلف النافذة... لم يعد وليد موجودا في حياتي... أنا لم أعد أملك وليد... ولا صورة لوليد!
"توقف"
هتفت باندفاع أربك نوّار وجعله يترنح في السير قليلا ثم يخفف السرعة فيما تلتفت دانة إلي متسائلة:
"ماذا هناك رغد؟"
فقلت بلهفة:
"عد إلى وليد... أرجوك الآن"
تبادل نوّار ودانة النظرات ثم انعطف نوّار بالسيارة يمينا ودار حول المنطقة إلى أن وصلنا إلى مبنى شقة وليد من جديد.
وليد لم يكن يقف هناك... فقد اختفى هو ويده... وخشيت أنني كنت أصلا أتوهم وجوده...
هبطت من السيارة ودانة تناديني بدهشة, ثم تترك طفلتها في حضن أبيها وتلحق بي...
ركضت بسرعة حتى وصلت إلى شقة وليد وقرعت الجرس بشكل فوضوي... سمعت صوت وليد يسأل منزعجا وقلقا:
"من هناك؟"
فهتفت مندفعة:
"وليد افتح لي"
وسرعان ما رأيت الباب يُفتح ويطل منه وليد يملأ الفضول والدهشة زوايا وجهه وقسماته...
"رغد!!!!"
ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أطير وأحط على صدره... فيفتح ذراعيه ويغلفني بقوة... لأي عمق غصت بين ضلوعه... لا أعرف... لكنني شعرت بالدموع تغمرني عن آخري.. كان لساني يريد التكلم...
غير أنه عجز عن النطق بغير (وليد... وليد...)...
رفعت بصري إليه وذبت في عينيه... كنت أرسل الكلام عبر النظرات... وأستقبل إيماءاته بقلبي قبل عينيه...
"لماذا فعلت هذا بي؟ لماذا وليد؟؟"
قلتها مقرونة بنافورة من الدموع... فمد وليد يده ومسح دموعي... ثم توسلت تقاسيم وجهه إلي:
"آه... صغيرتي.. حبيبتي.. سامحيني.. سامحيني.. يا أغلى من حياتي كلها... كنت أحمقا... أحمقا جدا.. أنا لا شيء من دونك يا رغد... لا شيء... يا حبيبتي"
ثم أمسك بوجهي بلطف براحتيه.. وأخذ يلهث بأنفاس قوية.. تلفح وجهي.. ويشتت نظراته بين عينيّ يمنة ويسرة.. ويعضض على شفته تارة ويزدرد ريقه أخرى... وأخيرا نطق قائلا:
"أحبك يا رغد... هل تتزوجينني؟؟"

**********

أُقيم حفل الزفاف في أحد الفنادق في عيد الحج التالي, ودّع العريسان فيه الأهل والأصدقاء... وذهبا لقضاء شهر العسل في إحدى البلدان السياحية. بعد عودتهما... أقاما في نفس المنزل الكبير...
واتخذا من غرفة وليد عشا لهما, بعد أن تم هدم الجدار الذي كان يفصل بينها وبين غرفة رغد... وإعادة طلي الجدران وتغيير الأثاث.
في ليلة عودتهما إلى المنزل... استخرج وليد من أحد الأدراج الصورة التي رسمتها رغد له عندما كانت طفلة, وكذلك استخرج من محفظته صورة رغد الممزقة التي احتفظ بها طول تلك السنين, فألصق أجزاءها بشريط لاصق, وألصقها مع صورته جنبا إلى جنب على الجدار فوق السرير وأخذ يتأملها ويبتسم مع رغد بسرور ويقول:
"معا إلى الأبد"
ثم أخذ العروسان الحبيبان يرتبان ملابسهما في الخزانات, واتجه وليد نحو إحدى الخزائن واستخرج شيئا منها وقال مخاطبا رغد:
"حبيبتي... تعالي... سأريك شيئا مهما جدا!"
أقبلت رغد بفضول لترى ما في يد وليد, فإذا به... شيء أسطواني الشكل... مصنوع من الورق... ومغطى بالطوابع اللاصقة!
{صندوق الأماني!**
"أوه! يا إلهي! ألا زلت تحتفظ به؟؟!"
تقول رغد وهي تتناول الصندوق من بين يديه بمرح وتتأمله ببهجة, فيضحك وليد ويقول:
"وسأخبئه حتى يضع أطفالنا أمانيهم فيه! وسنجعلها تتحقق!"
تضحك رغد ثم تنظر إلى وليد من طرف عينيها نظرة تشكك مرحة وتقول:
"هل فتحته؟ اعترف!"
فيضحك وليد ويقول:
"أنا؟؟ أبدا... لكنني عرفت ما الذي يحتويه!"
تقول رغد متحدية:
"وماذا يحتوي؟؟"
فيجيب وليد:
"افتحيه لنرى!"
رغد تنظر إلى وليد برضا... وتقول:
"نعم. الآن... لا بأس!.. بل بكل سرور!"
وفتحت الصندوق... وألقت نظرة على القصاصات... ثم أخذت تستخرج القصاصة بعد الأخرى... ووليد معها يقرأ المكتوب عليها...
عندما وصلت إلى هذه القصاصة... نظرت إلى وليد ومشاعر شتى تملأ قلبها...
{أتمنى أن أتزوج من ابنة عمي رغد**
"وليد..."
هتفت بلهفة وعطف ومحبة... فطبع وليد قبلة دافئة على يدها وربت بلطف على ندبة ذراعها الأيسر القديمة, وقال:
"أمنيتي الأولى... التي كنت أعيش على أمل تحقيقها... آه يا رغد... لو تعلمين..."
وأحاطها بذراعيه بكل الحب والحنان... ومسح على شعرها الأملس برفق... ثم قال:
"تابعي"
وتتابع رغد استخراج الأماني... وكانت الأمنية التالية... أهم أمنية... قضى وليد كل تلك السنين... يفكر فيها...
يبتسم العريسان لدى قراءتها ويقول وليد:
"دوّختني! جعلتني مجنونا يا رغد... فقدت عقلي وأنا أحزر... من كنتِ تقصدين!"
تضحك رغد ثم تقول:
"كان يجب أن تعرف! أنا لا أرى في حياتي غلا وليد! أحبك منذ لا أعرف متى... وإلى لا أعرف متى!...
وليد.... وليد قلبي... حبيبي... بقد كنت كل شيء بالنسبة لي! كل كل شيء... كنت أشعر... بأنك شيء يخصني أنا... أنك موجود من أجلي أنا... ويجب أن تكون لي أنا!... أنت لي!...."
وليد يسكن برهة, ثم يطلق ضحكة خفيفة, ثم يضم رغد إلى صدره بحرارة ثم يقول:
"أعرف... حبيبتي! قلت ذلك لي مسبقا.."
تبعد رغد رأسها عن صدره ثم تنظر إليه باستغراب وتقول:
"أنا قلت ذلك؟"
فيجيب:
"نعم... منذ زمن طويل... طويل جدا..."
تقول رغد:
"لا أذكر!"
فيلتفت وليد إلينا وينظر باتجاهنا ويقول:
"لكنكم تذكرون حتما... أليس كذلك؟؟"
************

the end
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.aljamal-islami.com
فتاة مسلمة
******
avatar

عدد المساهمات : 337
تاريخ التسجيل : 08/02/2010
العمر : 27
الموقع : الجمال الاسلامى

مُساهمةموضوع: رد: رواية ستاخذك لعالم اخر و ستستحوذ على تفكيرك كله....   الإثنين مايو 03, 2010 1:51 pm



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.aljamal-islami.com
 
رواية ستاخذك لعالم اخر و ستستحوذ على تفكيرك كله....
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 4 من اصل 4انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
جمال اسلامى :: منتدى الادب والشعر :: منتدى الروايات والقصص القصيرة-
انتقل الى: